عمرو حمزاوي يكتب… “الإذاعات الأجنبية..!!”

أستمع إلى بعض المحطات الإذاعية العالمية لمعرفة ما يدور من حولى، ولاستكمال المعلومات التى تتيحها المواقع الإخبارية الإلكترونية. أرفض مطالعة مشاهد الدماء والأشلاء والدمار. أرفض رؤية صور الضحايا الذين يتراكمون فى كل الجنبات. أرفض سطوة مشاعر الفزع والخوف والحزن التى تنقلها «المقاطع المتلفزة» لجنون القتل والعنف. أرفض الانسحاق أمام وحوش الإرهاب والانتقام والثأر التى تنتهك حق الناس المقدس فى الحياة، وتحيلهم إلى جثث تتناقل ملامحها الشاشات التليفزيونية.
أستمع إلى بعض المحطات الإذاعية العالمية. هذه الأيام البائسة لا يطول بى الوقت أبدا حتى تأتى النشرات الإخبارية والبرامج السياسية على تناول أخبار مصر وبلاد العرب. أصبحنا فى «الصدارة» بالعدد الأكبر من القتلى والجرحى والمهجرين والنازحين واللاجئين. أصبحنا فى «الصدارة» بإجرام إرهابى ساحاته الشوارع والميادين والمنشآت العامة والخاصة ودور العبادة. أصبحنا فى «الصدارة» بعصابات إرهاب وبحروب عبثية بين مليشيات طائفية ومذهبية وعرقية وبجرائم ضد الإنسانية وبانتهاكات للحقوق وللحريات ترتكبها سلطات ومؤسسات وأجهزة تهوى بدولها إلى هاوية الخروج على سيادة القانون والعصف بضمانات العدالة. أصبحنا فى «الصدارة» فمن بين ظهرانينا يخرج العدد الأكبر من الإرهابيين والمجرمين والمنتهكين والمكارثيين وبين صفوفنا يسقط القتلى والجرحى من مدنيين وعسكريين. فقط يضاف إلى قوائم الضحايا الطويلة المحملة بأسمائنا بعض أسماء تعساء الحظ الذين ساقتهم أقدارهم إلى بلادنا المنكوبة لكى يسقطوا معنا على شواطئ كانت آمنة وفى منتجعات سياحية كانت تعيل الكثيرين، وبعض أسماء مرضى التطرف والوحشية والدموية الذين جاءوا إلى هنا لكى يتحللوا من كل قيمة أخلاقية وإنسانية ويشبعوا رغباتهم المجنونة فى القتل والتدمير فقتلوا أو انتهوا إلى تفجير أنفسهم فى عمليات انتحارية.
أستمع إلى بعض المحطات الإذاعية العالمية. تتحول أسماء بلادنا ومدننا إلى مواقع للتفجيرات وللاغتيالات وللتصفية الجسدية وللمواجهات المسلحة. يتحول من يخرجون من بين ظهرانينا كإرهابيين ومجرمين ومنتهكين ومن يسقطون كضحايا ومن يفرض عليهم التهجير والنزوح واللجوء إلى أرقام، فقط أرقام تتجدد إحصائياتها على مدى اليوم ــ كل يوم ــ فى النشرات الإخبارية والبرامج السياسية. يشوه المذيعون أسماء بلادنا ومدننا، يجددون إحصائيات القتلة والقتلى والجرحى بأصوات رخيمة وهادئة وبعيدة تتخللها وصلات موسيقية تكاد تدفعنى إلى الجنون.
أستمع إلى بعض المحطات الإذاعية العالمية. اليوم أ / الخبر الأول / الكويت / تفجير انتحارى فى مسجد يرتاده منتمون للمذهب الشيعى / عشرات القتلى والجرحى / الانتحارى شاب فى العشرينيات. موسيقى كلاسيكية أو موسيقى الجاز. اليوم أ / الخبر الثانى / تونس / اعتداء إرهابى على منتجع سياحى / سقوط عشرات القتلى / معظم الضحايا من السائحين الأوروبيين / الإرهابى القاتل شاب فى العشرينيات وحاصل على شهادة جامعية / قوات الأمن التونسى تتمكن من قتل الإرهابى. موسيقى كلاسيكية أو موسيقى الجاز. اليوم أ / الخبر الثالث / بلجيكا / تعثر المفاوضات بين الحكومات الأوروبية وبين الحكومة اليونانية بشأن إدارة الديون وملف الإصلاح الاقتصادى والمالى. موسيقى كلاسيكية أو موسيقى الجاز.
أستمع إلى بعض المحطات الإذاعية العالمية. اليوم ب / الخبر الأول / مصر / هجمات إرهابية ومواجهات مسلحة فى سيناء / عشرات القتلى والجرحى / تنظيم موالى لتنظيم داعش يعلن مسئوليته عن الهجمات الإرهابية / القوات المسلحة المصرية تدفع بتعزيزات عسكرية للسيطرة على الوضع الأمنى فى سيناء. موسيقى كلاسيكية أو موسيقى الجاز. اليوم ب / الخبر الثانى / ليبيا / قتلى وجرحى فى اشتباكات بين ميليشيات مسلحة / مبعوث الأمم المتحدة يطالب المجتمع الدولى بالتوافق على حل تفاوضى ﻹنهاء الأزمة الليبية وإيقاف الانزلاق إلى حرب أهلية شاملة. موسيقى كلاسيكية أو موسيقى الجاز. اليوم ب / الخبر الثالث / حوار مع دبلوماسى أوروبى متقاعد متخصص فى الشئون العربية / يشير إلى اغتيال النائب العام فى مصر قبل الهجمات الإرهابية فى سيناء وإلى قتل قوات الأمن لعدد من عناصر جماعة الإخوان المسلمين عشية الهجمات / يحمل الميليشيات المسلحة فى ليبيا مسئولية تدهور الأوضاع / يمتنع عن طرح حلول / يبدى تخوفه من تداعيات الانهيار الأمنى فى العديد من بلاد العرب على أوروبا والتهديدات المباشرة التى تحاصرها بفعل ظاهرة الإرهاب والهجرة غير الشرعية والحروب الأهلية فى جنوب البحر المتوسط. موسيقى كلاسيكية أو موسيقى الجاز. اليوم ب / الخبر الرابع / بلجيكا / استمرار تعثر المفاوضات بين الحكومات الأوروبية وبين الحكومة اليونانية / الحكومة اليونانية تواصل الاستعداد ﻹجراء الاستفتاء الشعبى على المقترحات الأوروبية / أزمة مصرفية فى اليونان ومخاوف من عجز مالى شامل. موسيقى كلاسيكية أو موسيقى الجاز.
أستمع إلى بعض المحطات الإذاعية العالمية. أتذكر زيارتى الوحيدة لمنزل الأستاذ الراحل محمد سيد أحمد فى منتصف التسعينيات. كنت أحمل له كتابا من صديق مشترك. عند دخولى إلى غرفة مكتبه، وجدته جالسا وتحيط برأسه وتستقر فى أذنيه سماعات حديثة شبيهة بالسماعات التى كان يستخدمها آنذاك الموسيقيون والمغنيون وهم يسجلون ألبوماتهم الجديدة. أزاح السماعات إلى الوراء وأبعدها عن أذنيه ورحب بى شارحا برقة بالغة أنه يستمع إلى المحطات الإذاعية الأجنبية كثيرا وأن تدهور حاسة السمع لديه يجبره على استخدام سماعات الأذن لكى لا يرهق أهل بيته وجيرانه «بضجيج النشرات الإخبارية» وبعالم «الحروب والصراعات والجنون» المحيط بنا.
عزيزى الأستاذ الراحل محمد سيد احمد، أينما كنت، إلى اليوم والإنسانية المعاصرة مازالت تعجز عن إنهاء الحروب والصراعات والجنون. إلى اليوم والعرب على عجزهم عن إنقاذ ذواتهم من دوائر القتل والعنف والاستبداد والإرهاب. إلى اليوم وضجيج الأخبار يتصاعد دون هوادة، ونحن نتصدره عربيا بمجرمينا وضحايانا ولاجئينا. إلى اليوم ومصر يباعد بين شعبها وبين حقه فى التخلص من شرور الإرهاب والعنف، وبينه وبين حقه فى تجاوز السلطوية والمظالم والانتهاكات والانفتاح على حاضر آمن وحر ومتقدم وسلمى وعادل.. سعيت أنت بكتاباتك إلى الإسهام فى صناعته. إلى اليوم والحاضر الجميل هذا يحاربه دون هوادة الراقصون على الدماء ودعاة العنف والانتهاكات وكل صنوف المكارثيين، وينجحون للأسف الشديد المرة تلو الأخرى فى ربط أقدامنا فى أماكننا لكى لا نتحرك لانتزاع حقوقنا من بين غياهب ظلاميتهم واستبدادهم.
إلى اليوم وسماعات الأذن لا تحول دون إرهاق أهل البيت والجيران، ولا تكسب مستخدمها مناعة حقيقية إزاء الضجيج المحيط بنا ورداءة إلغاء العقل والتخاذل عن الانتصار له دون مساومة، دون تحايل، دون خوف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *