د. مصطفى شاهين يكتب… “شهر الصيام على التمام..وليس الفن كله حرام”

نعم رمضان هو شهر الصيام على التمام ، والتمام المقصود هنا من ناحيتين : الأولى : التمام في شكل وهيكل الصيام بحيث أنه الشهر الوحيد الذي يتم المسلم صيامه كاملا 30 أو 29 يوما ، وليس ينطبق ذلك التمام في الصيام على شهر هجري آخر طوال العام . الناحية الثانية : التمام في مضمون وبنية الصيام بحيث أن المسلم يجب عليه أن يكون حريصا على ألا يقع منه ما يمكن أن يضيع صيامه أو يجعله كأن لم يكن ، سواء أكان بسبب مادي حسي ( مفطرات الصيام ) كالأكل والشرب وغيره ، أو بسبب معنوي روحي ، مبطلات الصيام ( رُب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ) . وقد يدخل في هذه الأخيرة ما يمكن أن يتعمد أن يراه ويشاهده الصائم سواء بالليل أو ما قد يكون بالنهار ، ويأتي في المقدمة من ذلك الأفلام والمسلسلات التي تعرض على شاشة التليفزيون أو على النت واليوتيوب وغيرها من أوعية العرض غير النمطية
وإذا كان آخر حصر لعدد المسلسلات التي ستعرض في رمضان هو ( 45 ) مسلسل بحسب تصريح نقيب السينمائيين لبرنامج وائل الإبراشي ، فإن الأمر يدعو إلى القلق والدهشة وربما الصدمة ثم التساؤل : لماذا كل هذا الكم الهائل من هذه المسلسلات ؟ ولماذا الإصرار على عرضها جميعا في هذا الشهر الفضيل ؟ وبغض النظر عن تعدد الإجابات على هذا السؤال سواء من وجهة نظر ترفيهية للمسلم وأهله ، أو من وجهة نظر مؤامراتية على الصيام والإسلام ، فالأمر المؤكد أن نسبة المشاهدة ستكون عالية لكل المسلسلات حتى لو ادّعي الجميع من الآن رفضهم للمشاهدة أو تحريمهم لها ، وإلا فمن سيشاهد كل هذه الأعمال إذا كان كل من يُسأل عن ذلك يقول إنه يرى أن الفن التمثيلي حرام ومشاهدته حرام وهي في رمضان أشد حرمة ؟
وبغض النظر عن كثرة واختلاف أقوال العلماء المعاصرين في مدى حلية أو حرمة ( الفن التمثيلي ) كأحد أهم أوجه الفن المعاصر ، فإنني متأكد من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد سمح لنماذج من صور الترويح عن النفس أن تحدث وتكون موجودة في المجتمع الإسلامي ، وهي تعد من باب ( الفنون ) التي يبدع البعض في تحقيقها على غير مثال سابق ، وكانت هي طبعا ( راقية دون إسفاف أو ابتذال ) وتقبلها النفس السوية بغرض الترويح أو الموعظة غير المباشرة ، مثل ما كان من الغناء بضوابطه الراقية في الأعياد والأفراح ، ومثل ما كان من فعل ( الأحباش ) ولعبهم بالحراب والسلاح على سبيل ( التمثيل ) في ساحة المسجد النبوي ، وتمكينه صلى الله عليه وسلم سيدتنا السيدة عائشة رضي الله عنها من رؤية ذلك من فوق كتفه الشريف وصبره عليها في هذا الحال حتى شبعت نفسها الشريفة من رؤية هذا اللهو البريء
ويمكن أن يقاس على فعل الأحباش بعض صور ( الفن الراقي المعاصر ) غير المبتذل وغير المسف والذي يدعو إلى الترويح عن النفس ويحض على قيم جميلة ، وإن كان البعض يخالف ذلك ويرى أنه لا يجوز أن يقاس الفن بمفهومه المعاصر على لعب الحبشة بالحراب في المسجد ( راجع هذا الرابط http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php… ) فهذا رأيهم هم أحرار فيه ، ومن اقتنع به وأخذ به فهو حر أيضا ، فالأمر مقعود على الاقناع أو الاقتناع ، ولا يصح التعميم أصلا في تناول موضوع الفنون ، فلكل فن ما له وما عليه ، وإيجابياته وسلبياته ، كأي أمر في الحياة ، ولا يصح أن يقال بإطلاق ( إن الفن دعارة ) ، فهذا القول لا يصح أن يصدر من متعلم أو نصف متعلم أو حتى شبه متعلم ، فكم من أعمال فنية ارتقت بذوق الناس وأفكارهم وحتى أخلاقهم ، ولا يصح اتخاذ السفيه والسافل فقط من الأمور معيارا للحكم عليها
إذن ما العمل أو التصرف الذي يمكن أن يتخذه ( مسلم صائم معاصر ) بإزاء هذا الكم الهائل من المسلسلات والبرامج التي ستعرض على شاشة تليفزيونه آناء الليل وأطراف النهار ؟ يمكن أن يتخذ المسلم الصائم أحد موقفين : أولهما : توطين نفسه بيقين وأخذها بالشدة على عدم مشاهدة أية أعمال فنية في رمضان ليلا أو نهارا ، ومن يتخذ هذا الموقف فليكن عنده الصراحة الحقيقية بينه وبين نفسه على عدم مخالفته بين القول والفعل بحيث لا يصح منه أن يقول بلسانه أمام الناس ( إن الفن ومشاهدته حرام في رمضان وغير رمضان ) ، ثم يعود بينه وبين نفسه وأهله ويشاهد بعض المسلسلات أو الأفلام ، لا يصح منه هذا التناقض أبدا ولا يتفق مع أخلاق الصيام ، وإن قدر على نفسه أن يلزمها بهذا الموقف فلا يصح منه أن يفرض موقفه على غيره ، حتى لو كانوا أهل بيته إلا أن يقنعهم بموقفه ، لأنهم إن لم يقتنعوا ، فسيشاهدوا ( في عدم حضوره ) ما يرغبون مشاهدته
الموقف الثاني : وهو المشاهدة لبعض الأعمال الفنية ، بشرط اختيار الأرقى ، والتدرج فيه ، وعدم صرفه عما هو واجب عليه . واختياره ( الأرقى ) معقود على ذوقه الخاص المرهون بمدى تدينه وحسن أخلاقه ، ولا يبعد كثيرا عن الذوق العام ، فمسلسل مليئ بالعري وألفاظ التفاهة والسفاهة والقتل والدمار والتخريب وأفكار التدمير والتكفير ، ترفضه النفس السوية فضلا عن المتدينة الأخلاقية . وأما ( التدرج فيه ) فمعقود على ما يمكن أن يكون للنفس من ( شبع الرؤية والمشاهدة ) ، بحيث لا يجب أن يحبس نفسه طوال النهار أو الليل لهذه الرؤية متنقلا من قناة إلى قناة ومن مسلسل إلى آخر ، فإن شبعت نفسه من رؤية عمل واحد ، كفاه ذلك عن غيره ، وإن وجد عملا أفضل من الآخر فليدع المفضول إلى الفاضل ، وليدع الأطول زمنا إلى الأقل وقتا ، ولا يضيع ما يجب عليه عمله في الأوقات الواجبة بما لا يجب عليه عمله في الأوقات غير الواجبة
وأما شرط ( عدم صرفه عما هو واجب عليه ) فهو أهم هذه الشروط جميعا ، وسبق أن أشرنا إليه بقولنا ( ولا يضيع ما يجب عليه عمله في الأوقات الواجبة بما لا يجب عليه عمله في الأوقات غير الواجبة ) ، فكل مسلم صائم يعلم تمام العلم ما يجب عليه عمله وهو صائم بالنهار وبعد الإفطار ، سواء أكانت واجبات عينية ( كالصلاة الموقوتة مثلا ) أو واجبات كفائية ( كالصلاة على الميت وحضور جنازته مثلا ) ، فضلا عما يوجبه هو على نفسه إلزاما عليها والتزاما لها ، مثل قراءة القرآن والتسبيح فضلا عن صلاة الراويح والتهجد وغيرها من صور العبادة التي تليق بهذا الشهر الكريم . والمقصد من ذلك أنه لا يجب على الصائم بالنهار القائم بالليل أن يصرفه مسلسل أو فيلم ( أيا كان رقيه أو التدرج فيه أو رغبة نفسه للانقطاع بالمشاهدة إليه ) عن أداء هذه الواجبات والإلزامات ، بل يجب عليه أن يؤديها أولا بكل رغبة نفس مؤمنة وطيبة روح راقية وجهد جسد نشيط ، ثم يروّح عن نفسه وروحه وجسده بما يختاره ويرتاح إليه وفق شروط الاختيار ، واتفاقا مع قيامه بالليل وصيامه بالنهار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *