د‏.‏محمد السعيد إدريس

د.محمد السعيد إدريس يكتب… فرص البديل الإقليمى فى محادثات فيينا

اتساقاً مع نهج دبلوماسية الترغيب والترهيب مع إيران لإقناعها بالعودة الكاملة دون شروط للاتفاق النووى عبر إنجاح الجولة السابعة للمحادثات، التى ستبدأ فى فيينا يوم الاثنين المقبل قررت الولايات المتحدة الأمريكية مدعومة بشركائها الأوروبيين فى الاتفاق النووى الموقع عام 2015 مع إيران (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) القفز نحو الإطار الإقليمى للأزمة لتحقيق غايتين؛ أولهما، طرح مدخل إقليمى بديل للإطار الدولى مفعم بالإغراءات لإيران بمشاركة الشركاء الإقليميين فى مجلس التعاون الخليجى، بديل يعطى الأولوية للتعاون الإقليمى بين إيران وجوارها الخليجى بدلاً من الصراع عبر مداخل متعددة من “بناء الثقة المشتركة”. وثانيهما تقديم ضمانات قوية ومؤكدة للشركاء الإقليميين فى الخليج بالدفاع الكامل عنهم فى حال الاستمرار الإيرانى فى التعنت وتجاهل رسائل الطمأنة الأمريكية والأوروبية لإنجاح محادثات فيينا.. جاء هذا التوجه فى الاجتماع شديد الأهمية الذى عقد يوم الأربعاء الفائت بمقر مجلس التعاون الخليجى بالعاصمة السعودية الرياض بحضور لكبار المسئولين من الولايات المتحدة والدول الأوروبية الثلاث مع نظرائهما من دول مجلس التعاون الخليجى.

البيان المشترك الصادر عن هذا الاجتماع بدأ بالأمر الثانى أى الطمأنة الأمريكية للدول الخليجية وتأكيد العزم المشترك على حماية الأمن والاستقرار فى المنطقة وفق إطار الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين الأمريكى والخليجى مع إسهاب فى توجيه وابل من الانتقادات والاتهامات لإيران بسبب ما سماه البيان “سياساتها العدوانية والخطيرة»، لكن ما يهمنا هنا بخصوص المأزق الذى يواجه المحادثات المقبلة فى فيينا هل إلى انفراج أم تعقيد؟ فقد ابتدأ البيان بإعلان اتفاق الشركاء فى الاجتماع على أن برنامج إيران النووى “يمثل مصدر قلق بالغ”، وبعد ذلك بدأ الحديث عن أن إيران “لديها بديل أفضل من التصعيد المستمر” ويمكنها أن تسهم فى تحقيق المزيد من الأمن والاستقرار للمنطقة . وأشاروا إلى جهود الدول الخليجية السابقة لبناء قنوات دبلوماسية فعالة مع إيران لمنع نشوب النزاعات. بعد ذلك أكدت الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون استكمالاً لتوضيح هذا البديل، ولمزيد من التوضيح لهذا البديل تابع بيان الاجتماع أن الجهود الدبلوماسية “لن تنجح إذا استمرت إيران فى إثارة أزمة نووية”. ورحبت الولايات المتحدة والدول الخليجية بجولة المحادثات المقبلة فى فيينا ودعت إلى “العودة بصفة عاجلة إلى الالتزام الكامل بنص الاتفاق الأمر الذى من شأنه أن يمهد الطريق أمام جهود دبلوماسية شاملة لجميع الأطراف المعنية لمعالجة القضايا المتعلقة بضمان استدامة الأمن والأمان والازدهار فى المنطقة”. بهذا المعنى نستطيع أن نستنتج أن العرض الأمريكى الجديد، أو “المبادرة الإقليمية البديلة”، تشمل إغراءً جديداً لكنه مفعم بألغام ترفضها إيران، أبرزها أمران: إشراك الدول الخليجية فى تفاصيل ما سيحدث من محادثات فى جنيف أى إدخال الدول الخليجية كطرف جديد فى المحادثات وهذا ما ترفضه إيران بالمطلق التى تصر على أن “الاتفاق بمن وقعوا عليه” أى إيران ومجموعة “دول 5+1” التى تفاوضت عليه : الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وروسيا والصين، كما أن هذا البديل يتضمن إشارة إلى إعادة بحث توسيع الاتفاق بعد العودة إليه ليشمل مجمل القضايا التى تريدها الدول الخليجية وقبلها إسرائيل وهى: نزع القدرات الصاروخية الباليستية الإيرانية إضافة إلى الجديد الخاص بالطائرات المسيرة (بدون طيار) ثم “وقف دعم إيران لوكلائها من الميليشيات والتوقف عن سياساتها الإقليمية العدوانية المزعزعة للأمن والاستقرار فى المنطقة” على حد وصفها . إيران علّقت على بيان هذه المبادرة ومجمل ما جرى بحثه فى اجتماع الرياض بأنه “ملفق واستعراضى وفاقد للشرعية لدرجة أنه لا يستحق الرد عليه”. جاء ذلك فى تعليق للمتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده الذى اتهم الولايات المتحدة بأنها “من انتهك القرار الدولى رقم 2231 (الخاص بالاتفاق النووى) وأنها الطرف المسئول عن الوضع الحالى لأنها هى من انسحب من الاتفاق النووى وليس إيران”، وأنها “من يمتلك تاريخاً مظلماً وسوداوياً من التدخل فى الشئون الداخلية لكثير من الدول”. الرد الإيرانى لم يستقبل بحفاوة من واشنطن التى تخلت جزئياً عن الجذرة وفضلت التلويح بـ “عصا غليظة” على لسان وزير الدفاع الذى جاء خصيصاً إلى الخليج وبالتحديد إلى البحرين، وعبر مشاركته فى منتدى “حوار المنامة 2021”. فقد حذر وزير الدفاع الأمريكى لويد أوستن فى كلمته أمام منتدى حوار المنامة السبت (20/11/2021) من أن الولايات المتحدة قادرة على نشر “قوة ساحقة” فى الشرق الأوسط، مؤكداً استعداد واشنطن اللجوء إلى “خيار عسكرى” فى المنطقة، ومؤكداً أن واشنطن “ستنظر فى كل الخيارات الضرورية” فى حال فشل الدبلوماسية فى وقف البرنامج النووى الإيرانى، نافياً معلومات تفيد بأن الولايات المتحدة “أصبحت مترددة فى استخدام القوة”. أما المبعوث الأمريكى إلى إيران روبرت مالى فقد حذر إيران بدوره وأيضاً أمام “حوار المنامة” التى ذهب إليها بعد زيارة له غير موفقة فى إسرائيل لم يستقبله خلالها رئيس الحكومة نفتالى بينيت اعتراضاً على ما يصفه بـ “الليونة الأمريكية” مع إيران. تحذير روبرت مالى كان يوم الجمعة قبل ساعات من إلقاء وزير الخارجية لويد أوستن بيانه المتشدد. تحذير روبرت مالى كان بخصوص أن إيران “تقترب من طريق اللاعودة إلى الاتفاق النووى” اعتماداً على مخزونها الضخم من اليورانيوم عالى التخصيب”. وقال: “تقدم إيران يشيع قلقاً فى أنحاء المنطقة وهذا ما يجعل الوقت يمر بسرعة ويجعلنا نقول إن الوقت ينفد للعودة إلى الاتفاق” وزاد بقوله “أريد أن أكون واضحاً لأنه لا غموض بشأن ما يبدو أنهم يفعلون الآن وهو إبطاء المحادثات وتسريع التقدم فى برنامجهم النووى”. الواضح تماماً ان الأمريكيين يريدون العودة إلى الاتفاق ويقدمون الإغراء مقترناً بالتحذير وكانت ورقتهم الأخيرة هى “التعاون الإقليمى الخليجى مع إيران إضافة إلى إلغاء العقوبات الأمريكية حسبما ستصل إليه المحادثات فى فيينا . فهل ستفكر إيران بروية فى كسب الإغراءات أم أنها قررت فعلاً ما أشار إليه روبرت مالى “إبطاء المحادثات وتسريع تقدمهم نووياً، بوضع الجميع أمام مفترق طرق يصعب تجاوزه”؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *