أزمة القضاء فى مصر

لا ريب أن مجلس الدولة منذ نشأته حتى يومنا هذا هو حامى حمى الحريات العامة والخاصة. والعبد الفقير إلى الله ستكون شهادته مجروحة لهذا الصرح القضائى العظيم .. صاحب الإيادى البيضاء على المصريين جميعا وعليه شخصياً. وشرف لى أن أكون أول من قضى له مجلس الدولة فى 20/4/2000 – وبعد عشر سنوات تقاضى -بأحقيته فى التعيين بالهيئة القضائية – حال كونه متفوقاً – ورغم كون والده فلاحاً مصرياً ، بعد أن كان التعيين حكراً على فئة معينة. فجميل مجلس الدولة يطوق عُنقى الى اخر نفس فى صدرى ، حتى أنه لو طلب منى أن أقف زنهاراً على بابه لهرولت إليه عن طيب خاطر. وهذا حق لا نمارى فيه …
أما بعد… فلقد كلفت لجنة الخمسين بوضع مسودة دستور مصر 2013 وانتهت لجنة نظام الحكم المنبثقة عن لجنة الخمسين إلى عودة قضاء التأديب إلى حظيرة النيابة الإدارية بعد مبيت قضاء التأديب فى مجلس الدولة منذ 1971. بالنص فى المادة 163 وتخص مجلس الدولة تقرر بأن : “” مجلس الدولة جهة قضائية مستقلة يختص بالفصل فى الطعون التأديبية ويختص دون غيره بالفصل فى كافة المنازعات الإدارية ومنازعات التنفيذ المتعلقة بأحكامه0 ويتولى الإفتاء فى المسائل القانونية للجهات التى يحددها القانون ومراجعة وصياغة مشروعات القوانين والقرارات ذات الصفة التشريعية التى تحال إليه ومراجعة مشروعات العقود التى تكون الدولة أو أحدى الهيئات العامة طرفاً فيها. ويحدد القانون اختصاصاته الأخرى)) , وان نص المادة 168 تخص (( القضاء التأديبي , والنيابه اﻻداريه جزء منه(( والطالع نصها : “” القضاء التأديبي جهة قضائية مستقلة تتولى الفصل فى الدعاوى التأديبية , والنيابه اﻻداريه جزء منه وتتولى التحقيق فى المخالفات الماليه واﻻداريه وتحريك ومباشرة الدعاوى والطعون التأديبية وفقا للقانون 0ويحدد القانون اختصاصاتها الاخرى. ويكون ﻻعضائها الضمانات والحقوق والواجبات المقرة لأعضاء السلطة القضائيه ))

وقد تفجر فى الافق شبه ازمة بين قضاة مجلس الدولة وبين اللجنة عرج به الى التقليل من هذا المقترح وتطاير لهيبها لينال من هيبة السلطة القضائية- فى هذا المنعطف الخطير نحو العدالة الحقيقية فى مجال تأديب الموظف العام ومن فى حكمه. ونستأذن حضراتكم فى بيان وجهة النظر القانونية من جانب النيابة الإدارية: بداية عن إنشاء النيابة الإدارية, وتاريخها ومن اين اتى حق النيابة الإدارية بالمحاكم التأديبية, نوضح الاتى:
فى ظل سريان قانون مجلس الدولة رقم 115 لسنة 1952 بإعادة تنظيم مجلس الدولة لم تر المحاكم التأديبية النور رغم أن تعديلات متتالية ومتعاقبة لقانون مجلس الدولة منذ نشأته بموجب القانون رقم 112 لسنة 1946و بالقوانيين ارقام 9 لسنة 1949 ثم القانون رقم 6 لسنة 1952 ثم القانون رقم 115 لسنة 1952 ثم القانون رقم 165 لسنة 1955 ثم القانون رقم 55 لسنة 1959 ثم القانون رقم 140 لسنة 1959 ثم القانون رقم 37 لسنة 1968. وخلال تلك التعديلات جميعها لم يشأ المشرع من قريب أو بعيد إضافة اختصاص المحاكم التأديبية لمجلس الدولة 000. وقد كتب الميلاد للنيابة الإدارية بعد ثورة يوليو 1952 بالقانون رقم 480 لسنة 1954 بإنشاء النيابة الإدارية, وبهذا المولود تم توحيد جهات التحقيق فى جهة قضائية واحدة تتمتع بالإستقلال وحيدة ونزاهة أعضاءها رؤى إنشاء المحاكم التأديبية لتوحيد جهات محاكمة الموظفين بين مجالس التأديب فى محاكم يغلب عليها العنصر القضائى وتصدر أحكاما قضائية. وهنا كان للمشرع الاختيار بين إنشاءها فى قانون مجلس الدولة ولكنه اختار انشاءها فى قانون النيابة الإدارية فصدر القانون رقم 117 لسنة 1958 بإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية والغى قانون النيابة الادارية رقم 480 لسنة 1954 ونظم المشرع المحاكم التأديبية.

*** صدر بعد ذلك قرار رئيس الجمهورية العربية المتحدة رقم 1489 لسنة 1958 متضمنا اللائحة الداخلية للنيابة الادارية وهى المواد المنظمة للعمل بالنيابة الادارية وقد تضمنت على بعض احكام تنظيم العمل بالمحاكم التأديبية, وهى السارية والمعمول بها بالمحاكم التأديبية ولم يصدر مجلس الدولة لائحة خاصة به بعد سحبه للمحاكم من قانون النيابة الادارية0 ثم صدر قرار رئيس الجمهورية العربية المتحدة رقم 19 لسنة 1959 في شأن سريان أحكام النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية على موظفي المؤسسات والهيئات العامة والشركات والجمعيات والهيئات الخاصة وقد تحدد لهم محكمة تأديبية واخضعها لأحكام المحاكم التأديبية الواردة اصلا بصلب قانون النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية.. وظل الحال كما هو عليه حتى صدور دستور 1971 الذى أورد النص على مجلس الدولة على انه هيئة قضائية مستقلة, وانه صاحب الولاية العامة فى الفصل فى المنازعات الادارية. ثم عدل قانونه بعد ذلك بالقانون رقم 47 لسنة 1972 لينص على اختصاصة بتشكيل المحاكم التأديبية لاول مرة بقانونه بعد مرور اكثر من 12 عام على انشأها والغى باب المحاكم من قانون النيابة. الا انه استبقى جزء من حكم المادة 19 من قانون النيابة بشأن اخذ رأى رئيس هيئة النيابة الإدارية من قبل رئيس مجلس الدولة بشأن تحديد عدد المحاكم وتعيين مقارها ودوائر وحزف نص الاشتراك فى تشكيلها كما كان فى نص المادة 19 وذلك بالمادة 8 فقرة ثانية من قانون مجلس الدولة ليصدر التشكيل بقرار من رئيس المجلس فحسب , بعد أخذ رأى مدير النيابة الإدارية. ومنذ هذا التاريخ حتى ثورة 30 يونيو 2013 ظل قضاء التأديب ضيفا لدى مجلس الدولة 0 اما عن اسباب حرص اللجنة الموقرة على عودة القضاء التأديبيى للنيابة الادارية فنراها فى الاتى :

اولا : أن المستقر عليه دستوريا : أن سرعة الفصل في الدعوى جزء من الحق في محاكمة منصفة فلا يجوز أن يكون الاتهام متراخيا أو معلقا أمدا طويلا بما يثير قلق المتهم : فقد قضت المحكمة الدستوري العليا في الدعاوى أرقام 64 لسنة 17 ق دستورية و 27 لسنة 18ق دستورية ،و 15 لسنة 19 ق دستورية و 55 لسنة ق 30 دستورية : إلى “إن إنكار الحق في الترضية القضائية سواء بمنعها خلال إزهاقها لقيود تعثر الحصول عليها أو عن طريق تباطئ ملحوظ في تقديمها مؤداه أن من يطلبونها لا يقتضونها في وقت ملائم مما يعتبر إهدارا للحماية التي كفلها الدستور للحقوق على اختلافها ، سيما وأن المادة 68/1 من الدستور تنص على أن تكفل الدولة سرعة الفصل في الدعاوى ، والمادة 14/13 من العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية ، والمادة 6/1 من الاتفاقية الاوربية لحقوق الانسان تكفل هذا الحق وتؤكد أنها من أبسط حقوق الانسان . وترتيبا على ذلك : فإن إسناد القضاء التأديبي للنيابة الإدارية من شأنه القضاء على هذه المخالفة فيما يخص القضايا التأديبية سيما وأن لدى النيابة الإدارية التعداد والكفاءات التي تمكنها من تشكيل سلطة المحاكمة التأديبية بصورة مستقلة عن سلطة التحقيق التي تتولاها هي أيضا ، كما هو معروف بالنيابة العامة ، النظر إلى أهمية تفعيل دور الهيئات القضائية من خلال تقسيم الاختصاصات بين بعضها البعض.

ثانيا : بطء التقاضى فى مجلس الدولة يتعارض مع السياسة العقابيية الحديثة0 أن المستقر عليه أن السياسة العقابيية الحديثة تقرر بأن الجزاء التأديبى سواء الذى توقعه المحكمة التأديبية – أو حتى التى توقعه الجهة الإدارية حال اختصاصها بذلك – يمتاز بأنه يضع المخالف تحت بصر وبصيرة الجهة الإدارية لتتولى إصلاح ما أعوج فى سلوك المخالف0 وهذا ما يميز الجزاء التأديبى عن الجزاء الجنائى الذى يوقع على المتهم بعيداً عن حقل الجهة الإدارية. ولا ريب أن بطء المحاكمة التأديبية فى ظل زخم القضايا فى أروقة محاكم مجلس الدولة,لا يسمح بأن يكون الجزاء الإدارى الموقع على المخالف منتجاً لأثارة من حيث تحقيق الردع العام لكل من تسول له نفسه أو لمن يتحالف مع الشيطان لارتكاب ذات الذنب التأديبى ، ولم يتحقق الردع الخاص وبات هين الأثر للمخالف حينما يتأخر الفصل فى الواقعة لمدة طويلة ، لا يعبئ به يعد أن هدأت فرائسه من طول المحاكمة. الأمر الذى يتنافى مع حكمة الجزاء وصولا لمنع ارتكاب الإثم مرة أخرى ومعاقبة من أرتكبه في اللحظة والتو0 ثالثا : بٌعد مكان انعقاد جلسات المحاكم التأديبية لمجلس الدولة منذ عام 1972 حتى عام 2013 يتعارض مع المصلحة العامة ، والمصلحة الخاصة للمتهمين ، والمجنى عليهم. باستقراء القرار رقم 1120 لسنة 1972 من معالى السيد المستشار /رئيس مجلس الدولة وحتى القرار رقم 451 لسنة 2013 وما تلاه من قرارات بشأن أنشاء دوائر جديدة للمحاكم التأديبية لمجلس الدولة : نلحظ أن المحاكم التأديبية العليا – وهى المحكمة المختصة بمحاكمة شاغلى وظائف الإدارة العليا – أنها لا تنعقد إلا فى محافظتين فقط هما القاهرة والإسكندرية.

1- وجبرا على المدير العام لأى مصلحة حكومية من أسوان والأقصر وسوهاج وقنا والمنيا وأسيوط وبنى سويف والفيوم الحضور لمجلس الدولة فى الجيزة للدفاع عن نفسه عند إحالته للمحاكمة التأديبية العليا. وتتجلى المأساه الحقيقية للعامل البسيط اذا شمله التحقيق والاحالة مع المدير العام فتنعقد محاكمته فى الجيزة 0 رغم انه لو حوكم فى جناية كالقتل أو جنحة سرقة لتم محاكمتة فى محافظته أو مركزه0؟؟ أما المحاكم التأديبية – حتى وقت قريب – فكانت تنعقد فى ( القاهرة – الإسكندرية- طنطا – المنصورة – أسيوط) 0ويتعين على كافة المحالين التوجه الى مقار هذه المحاكم فى مكان انعقادها… بعد قطع مسافات طويله من اسوان. وبصدور القرار رقم 331 لسنة 2006 وحتى العام القضائى الحالى 2013/2014 لم تنشئ فى جميع المحافظات محاكم تأديبية سوى 16 محكمة تأديبية فقط على مستوى الجمهورية (( مرفق صورة القرار )) وحتى ان عدد أعضاءها ورؤساءها هو 116 عضواً فقط. وترجوا ملاحظة- مثلا – أن اختصاص ” محكمة الرئاسة وملحقاتها” ومحكمة ” التعليم وملحقاتها ” وينعقدا فى مقر مجلس الدولة بالجيزة : ونلحظ أن اختصاصها يشمل العاملين بمحافظات ( القاهرة – الجيزة – الفيوم – بنى سويف)…؟؟ فهل هذا معقول ؟؟؟ ونحن فى القرن الحادى والعشرين نوجب على المتهم من قاطنى محافظة بنى سويف والفيوم التوجه لمحاكمته بالجيزة وذلك على العكس اذا اسند الاختصاص للنيابة الادارية ففى كل مركز ستكون هناك محكمة بمقر النيابة , كما ان موظفى شبرا الخيمة المحالين للمحاكمة التأديبية فيتعين عليهم التوجه لمدينة طنطا حيث انعقاد المحكمة التأديبية لمحافظة القليوبية فى طنطا ؟؟ ولاشك أن جبر المتهم على ذلك الانتقال للدفاع عن نفسة فى المحاكمة التأديبية من محافظة (بنى سويف – وهى أحدى محافظات الصعيد) يتعين عليه :

2- اما الرحيل من بنى سويف أو من حدود محافظة أسيوط إلى محافظة الجيزة لحضور جلسات محاكمته.
3- أو أن يعزف عن الحضور ***** ويحتسب أمره عند الله ويترك أمره للقضاء والقدر00 غير مبالى بأى حكم ستحكم به المحكمة. وهذا بلا شك يتنافى مع قواعد العدالة التى تضمن للمتهم محاكمة عادلة وناجزة0 كما أن المحكمة الادارية العليا: كما أن الطعن على الأحكام التأديبية يكون امام المحكمة الادارية العليا ومقرها فى الجيزة فقظ ؟؟؟ فالمتهم المقيم فى اسوان أو مطروح أو اسكندرية ويرغب فى الطعن على حكم ادانته يتعين عليه المبيت فى القاهرة…؟؟؟ وهذا بلا شك لن يحدث عن أقرار جهة القضاء التأديبى ففى كل محافظة على الأقل خمس نيابات إدارية ينعقد فى أحدها محكمة تأديبية ومحكمة تأديبية عليا بل فى كل مدينة بكل محافظة يوجد نيابة إدارية ومن ثم محكمة تأديبية.

وحتي لا نثقل علي حضراتكم سنكمل عرضنا التحليلي لهذه القضيه في “الجزء الثاني” فانتظرونا…..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *