مصر وسياسة الجزرة الامريكية

لحظة تأمل :
اي باحث في اهداف السياسة الخارجية الامريكية في الشرق الاوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية يمكن ان يدرك بسهولة ان هذه الاهداف لم تتغير واستندت الى ما يمكن تسميته بسياسة (العصا و الجزرة) اي التلويح باستخدام القوة العسكرية تارة او التلويح بمنح او منع المساعدات تارة آخرى في التعاطي السياسي والاقتصادي والعسكري مع دول المنطقة و بالطبع لاتنطبق هذه السياسة على اسرائيل لانها من الناحية السياسية لا تعتبر احدى دول المنطقة انما تنصب بالدرجة الاولى على الدول العربية و خاصة مصر .
وقد ظلت هذه السياسة مستمرة مع تعاقب الادارات الامريكية سواء كانت ديموقراطية او جمهورية في السبعين سنة الاخيرة و نلاحظ من حيث المبدأ ان استخدام سلاح المعونات مع مصر كان الاكثر بروزا في تاريخ العلاقات بين القاهرة وواشنطن ولم تستخدم اي وسائل اخرى .
وربطت الولايات المتحدة بين تحقيق اهدافها في المنطقة و طريقة التعامل مع الادارة المصرية منذ قيام ثورة 52 وحتى الآن ففي العهد الناصري مثلا وتحديدا حتى نهاية الخمسينات من القرن الماضي رغم التآمر الانجلو فرنسي الاسرائيلي على مصر فيما عرف بازمة السويس كانت الولايات المتحدة لها موقف مختلف يتسم بالمهادنه مع مصر ولكن تغير هذا الموقف بشكل جذري في ازمة يونية عام 1967 بالانحياز الكامل لاسرائيل .
وفي اعقاب توقيع اتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية عام 1979 تلقت مصر من واشنطن مبلغا ثابتا 2.1 مليار دولار منها 815 مليون دولار معونة اقتصادية و 3.1 مليون دولار معونه عسكرية .
وبقراءة تحليلية سريعة نجد ان المعونات الامريكية لمصر تمثل 57% من اجمالي ما تحصل علية مصر من معونات ومنح دولية كما ان المعونة الامريكية لاتتجاوز 2% من اجمالي الدخل القومي المصري !!
واتفق مع التوجه الذي يقرن بين تعزيز الاهداف الاستراتيجية الامريكية بالمنطقة واستمرار المعونة لمصر خاصة في جانبها العسكري وفي تصوري ان الادارات الامريكية تدرك هذه الحقيقة الا ادارة اوباما الامر الذي يجعلنا نتساءل حول دوافع اوباما لاتخاذ قرارات غير مفهومه في معالجة ما آلت اليه العلاقات المصرية الامريكية مؤخرا !؟ .
وتعتبر الخطوة الامريكية الأخيرة بتعليق المعونة العسكرية في اطار الضغط الامريكي على النظام المصري قرارا غير محسوب ليس في صالح الادارة الامريكية خاصة ان استخدام المعونة او التلويح باستخدامها ورقة ضغط على مصر لتحقيق مصالح الولايات المتحدة السياسية ورقة لاقيمة لها الآن لانه في الاصل العلاقات الدولية تعتمد على تبادل المصالح.
واذا عدنا الى الارقام والنسب المذكورة من قبل نكتشف ان مصلحة مصر اقتصاديا في عدم منح واشنطن اي ميزة نسبية في التعامل التجاري انما يصبح تنويع علاقات مصر الاقتصادية الدولية امرا ملحا هذه الايام بالنسبة لصانع القرار المصري لانه سيجبر الادارة الامريكية على اعادة حساباتها خاصة اذا ادرك المصريون والامريكيون ان الالتزامات المصرية تجاة السياسة الامريكية مقرونة بنصوص معاهدة السلام مع اسرائيل وفي اعتقادي ان اي اخلال بالتعهدات الامريكية سيلقي بظلال سلبية على الالتزام المصري ببنود معاهدة السلام .
ولابد من الاشارة هنا الى ان التصرفات الامريكية الاخيرة تجاه مصر تنصب في الاتجاه المؤثر سلبيا على اوضاع اسرائيل في المنطقة لان على المستوى الرسمي سيجعل الحكومة المصرية تعيد النظر في اتفاقية السلام وعلى المستوى الشعبي تنامي الرفض للعلاقات مع اسرائيل ويشكل المستويان ارادة سياسية متناغمة لايمكن للولايات المتحدة او غيرها ان تقف ضدها .
اذن سياسة ( الجزرة الامريكية ) لن تؤثر على القرار المصري لا سيما اذا وعى الشعب المصري التحدي بضرورة الاتجاه للعودة في اقرب وقت ممكن الى العمل والانتاج ومساعدة الحكومة على الخروج من عنق الزجاجة وفي الوقت نفسه ننصح حكومة د. حازم الببلاوي عدم الوقوع في هاجس ان حكومته انتقالية مؤقته وليس في وسعها ان تفعل شيئا لحل مشكلاتها المعقدة !! .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *