مصر: حكومة انتقالية وزلزال سياسي

تدخل الحكومة الانتقالية في مصر المشهد السياسي المعقد وسط تحديات وطموحات كبيرة في اعقاب زلزال تاريخي، مازالت توابعه تثير الخوف والقلق لدى البعض والامل في مستقبل افضل لدى اخرين.
وعكست ردود الافعال على تشكيل الحكومة اجواء التربص والاستقطاب التي تسود البلاد، فبينما رفضت جماعة الاخوان الاعتراف بها اصلا، اعتبرتها قوى سياسية اخرى ‘حكومة ثورة 30 يونيو’، رغم بعض التحفظات على تشكيلها.
وبنظرة متأنية الى موقع الحكومة من اعراب هذا المشهد المعقد يمكن ملاحظة ما يلي:
‘ تمكنت الحكومة من اكتساب ‘شرعية الامر الواقع′ ثم فرضها، ما تمثل اعتراف الدول الاكثر قربا وتأثيرا في المعادلة المصرية مثل الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي ودول الخليج، ما يعني استمرار تدفق المعونات التي تمثل شريان الحياة للاقتصاد المصري في هذه المرحلة.
‘ يبدو ان الحكومة نجحت في طمأنة الكثيرين عندما اكدت على شفافية وسرعة العودة الى الاطار الدستوري، بدعوة الاتحاد الاوروبي للاشراف الكامل على عمليات الاقتراع ضمن ‘روزنامة’ تشمل اجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في فترة لا تزيد عن تسعة شهور.
‘ بدأ الواقع المصري الجديد في اعادة رسم المعادلة الاقليمية، وبالتالي اعادة تعريف مفردات القوى وموازينها، اذ ساد التوتر في العلاقات مع انظمة تتبنى او تدعم ‘الاسلام السياسي’، في مقابل انفراجة مع دول ما كان يعرف بـ’محور الاعتدال’ العربي.
‘ الا ان المثير حقا هو ان هذا الزلزال السياسي افرز حالة غير مسبوقة من العداء الشعبي المصري للولايات المتحدة، التي يجمع انصار مرسي ومعارضوه اليوم على اتهامها بالتآمر ضد مصر. وادت التطورات الاخيرة الى كشف مدى هشاشة النفوذ الامريكي وعجزه في مواجهة ‘تسونامي’ الانتفاضة الشعبية، وهو ما مكن الجيش من التدخل والمخاطرة بالمساعدات العسكرية الامريكية المهمة. ويأمل كثيرون ان يسهم هذا المعطى الجديد والتاريخي في التأسيس لواقع جديد من استقلال القرار الوطني بعيدا عن التبعية والارتهان، بينما يشكك اخرون في امكانية تحقيقه.
‘ على المستوى الداخلي، يستند التفاؤل بهذه الحكومة الى وجود عناصر معروفة بكفاءتها ووطنيتها مثل وزير الخارجية نبيل فهمي، الذي استقال والده اسماعيل فهمي من الحكومة قبل 36 عاما احتجاجا على زيارة الرئيس الراحل انور السادات لمدينة القدس، وكذلك الرمز العمالي المناضل كمال ابو عيطة واخرين، الا انه لا يمكن فهم الاستعانة بوجوه معروفة من عهد مبارك ومتهمة بالتزوير والفساد السياسي والمالي لتولي حقائب حساسة من المفترض انها تكون رأس الحربة في معركة التغيير.
‘ على اي حال قد لا يكون من الانصاف اصلا ان نتوقع المعجزات من حكومة لا يزيد عمرها الافتراضي عن ستة شهور، ويكفيها ان تتذكر انها ليست حكومة حزبية منتخبة، بل انها مؤتمنة لضمان العودة الى الحياة الدستورية باكبر قدر من السرعة والحياد والنزاهة، وان يمتنع اعضاؤها عن الترشح في اي انتخابات مقبلة تأكيدا لهذا المفهوم. اما المهمة العاجلة التي يجب ان تتصدر اجندتها فالعمل بحزم وضمن القانون على وقف تآكل هيبة الدولة من خلال استعادة الامن، وتوفير الخدمات والسلع الرئيسية للمواطنين، فهل ستنجح وسط كل هذه التحديات؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: