أرشيفية

خطة لصرف 5000 مصرفي حتى تموز ولبنان سيواجه الحصار الشامل

 

تحقيق… أكرم كمال سريوي – رئيس تحرير “الثائر” اللبنانية

الأنهيار الأول:

في ١٩٥٦/٩/٣ اعتمد لبنان قانون السرية المصرفية ليشكل بعد هذا التاريخ أهم المراكز المالية في الشرق الأوسط ، فتدفقت عليه الودائع ورؤوس الأموال من الدول العربية والشركات الغربية المهتمة بالاستثمار في هذه المنطقة، فأُطلق عليه بفضل قطاعه المصرفي الرائد اسم «سويسرا الشرق» وأثار ذلك حسد الدول القريبة والبعيدة . وبدل أن يحافظ زعماؤه على هذا المجد انساقوا خلف الغايات الشخصية والخلافات الداخلية، مقدّمين أكبر خدمة لاعداء لبنان ، ووقفوا يتفرجون على انهيار أكبر امبراطورية مالية كانت يومها في لبنان والشرق ، حيث أُعلن إفلاس بنك انترا عام ١٩٦٦ ورحل يوسف بيدس مكسوراً .

رغم تلك الحادثة عاد القطاع المصرفي ليتعافى ، لكن ظروف الحرب التي استمرت ١٥ عاماً أدت إلى نشوء أسواق مالية منافسة في عدة دول عربية ، إضافة إلى هروب رؤوس الأموال إلى تركيا وأوروبا وسويسرا تحديداً . وبعد الحرب حاول القطاع المصرفي وبدعم من البنك المركزي جذب الودائع ، مُقدّماً نسبة فوائد مرتفعة جداً ، كسِب من خلالها المستثمرون أموالاً طائلة من حساب الدولة اللبنانية، فيما كان يتم صرف تلك الودائع في مشاريع غير منتجة، إضافة إلى عمليات هدر وسرقات ضخمة خارج أي رقابة أو محاسبة.

أدت السياسات المالية المتّبعة منذ انتهاء الحرب وحتى اليوم إلى عجز كبير في ميزانية الدولة، وارتفع حجم الدين العام ليفوق المئة مليار دولار ، وفي العام ٢٠٢٠ انخفض الناتج القومي إلى الثلث ليصل إلى أقل من ٢٠ مليار دولار .

تكرار الأخطاء:

منذ اندلاع ثورة ١٧ تشرين ٢٠١٩ كرر القادة اللبنانيون نفس الأخطاء، فهم يتلهون بخلافاتهم وتسجيل النقاط على بعضهم البعض وشد العصب الطائفي، فيما البلد ينهار ويتم تدمير عموده الفقري في الاقتصاد، أي القطاع المصرفي.

يضم القطاع المصرفي اللبناني حوالي ٦٥ مصرفاً كان لديهم أكثر من ١١٠٠ فرع داخل وخارج لبنان، ويعمل فيها قرابة ٢٤٥٠٠ موظف ، وحدث هذا الانفلاش إثر الطفرة المالية التي رافقت إعادة الإعمار، فسعت البنوك لتحقيق أرباح سهلة وسريعة، وراحت تتسابق لتستقطب الودائع وتوظفها لدى المصرف المركزي بفوائد عالية.

تُقدّر توظيفات المصارف لدى المصرف المركزي بنحو ٨٣ مليار دولار أي ما يقارب نسبة ٧٠٪؜ من الودائع التي بحوزتها، وهذه مجازفة غير محسوبة ارتكبتها ادارة غبية ، حققت من خلالها المصارف ارباحاً طائلة لكنّها أوصلتها إلى الأزمة الحالية، بحيث يعجز المركزي اليوم عن إيفاء ديونه لها ، فباتت هي متعثرة وعاجزة عن تلبية طلبات المودعين ، ومهددة بالإغلاق والإفلاس.

طلب حاكم المصرف المركزي رياض سلامة من البنوك زيادة ٢٠٪؜ على رساميلها، وأمهلها حتى نهاية شباط الفائت لتنفيذ ذلك ، لكن فقط خمسة مصارف تمكنت من رفع نسبة احتياطها حتى ١٧٪؜ أما المصارف الباقية فما زالت عاجزة عن ذلك ، ورغم تمديد حاكم المركزي لهذه المهلة، ما زالت معظم البنوك عاجزة عن تلبية هذا الشرط . وإزاء هذا الوضع تقوم البنوك بعدّة إجراءات انعكست سلباً على لبنان .

لقد عمدت البنوك إلى إغلاق عدة فروع لها بلغت أكثر من ١٨٧ فرعاً حتى اليوم، وهذا من ضمن خطة خفض انتشار تختلف بين بنك وآخر ، وتتراوح نسبة إغلاق الفروع من ٢٠ إلى ٣٠٪؜ فيما تُتخذ إجراءات صرف للموظفين تصل إلى الحد التعسفي أحياناً.

قال أحد النقابيين في لجنة الدفاع عن حقوق موظفي المصارف ل « الثائر» : أن هناك خطةلدى البنوك لصرف ما يقارب ٥٠٠٠ موظف في الشهرين القادمين ، وربما تصل إلى ١٥٠٠٠ موظف في نهاية المطاف ، خاصة بعد عمليات الدمج المتوقعة ، وقد صُرف حتى الآن أكثر من ٢٠٠٠ موظف. ويتم استعمال أساليب عديدة ، تبدأ بإنهاء عقود الموظفين الكبار في السن خاصة من هم فوق ٦٠ عاماً ، أو الموظفين قليلي الخبرة، إضافة إلى إعطاء حوافز لبعض الموظفين الآخرين، كدفع تعويض بالدولار يتراوح بين راتب ٢٠ و٣٠ شهراً ، وإذا رفض الموظف العرض يتم نقله إلى فرع آخر بعيداً عن مكان سكنه .

تلعب المصارف اليوم دور الجلاد والضحية معاً، فبعد أن استشرس موظفو المصارف في مواجهة الزبائن دفاعاً عن المصارف وأصحابها، الذين تجاوزوا قانوني النقد والتسليف والتجارة، وأهدروا بصلافة حقوق المودعين، وقاموا بتهريب أموال السياسيين وكبار الموظفين والنافذين إلى الخارج ، حتى بعد اندلاع أزمة تشرين ٢٠١٩ ، ها هم الآن يجلدون موظفيهم (خاصة الصغار منهم) ، بالصرف وخفض التقديمات، وقلة قليلة فقط تدفع لموظفيها كامل الراتب بالدولار، على ان يتم سحبه على سعر ٣٩٠٠ ليرة، فيما تدفع مصارف أُخرى نسبة تتراوح بين ٢٠ و ٤٠٪؜ من الراتب بالدولار ، في حين تمتنع المصارف الصغيرة عن مثل هذا الإجراء.

النموذج اليمني والصومالي للبنان:

قال مرجع سياسي مصرفي للثائر: أن لبنان اليوم بات تحت الحصار المالي والاقتصادي، فهناك عدد كبير من المصارف الخارجية بدأت بمقاطعة المصارف اللبنانية، وتُمثّل خطوة السعودية ودول الخليج وقف استقبال الصادرات الزراعية اللبنانية مؤشراً خطيراً ، ولا يمكن إلقاء اللوم على البنوك الخارجية أو هذه الدول التي تحاول حماية مواطنيها، بل اللوم يقع بالدرجة الأولى على المسؤولين اللبنانيين الذين جعلوا البلد دون سلطة فعلية، فمنذ بداية الأزمة وحكومة دياب عجزت عن اتخاذ أي خطوة اصلاحية، فيما تتم المماطلة في تشكيل حكومة انقاذ بذرائع متعددة ، ويتمادى المسؤولون في تبادل التهم، والبلد سائب والحدود مشرّعة لكافة انواع التهريب ، وزراعة وتجارة المخدرات تنتشر بشكل واسع، خاصة بعد إقرار المجلس النيابي قانون تشريع زراعة الحشيشة ، الذي لم ولن يُطبّق منه سوى السماح بفوضى المخدرات، التي قد تجعل من لبنان كولومبيا الشرق.

ولم يستبعد المصدر أن يشهد لبنان المزيد من الحصار المالي والاقتصادي في الأشهر القادمة ، وكذلك التوقف الكلي للمصارف الخارجية عن التعامل مع لبنان، الذي سيصبح مثل الصومال أو اليمن حيث يسود نظام التعامل «بالشنطة» ، أي نقل الأموال بالحقائب ، فيعجز البلد عن الاستيراد وترتفع الأسعار بشكل جنوني وينهار سعر صرف العملة الوطنية، فتعم الفوضى وتتحلل المؤسسات حتى الأمنية منها، ونخسر الدولة لمصلحة انتشار مافيا السلاح والمخدرات على كافة الأراضي اللبنانية.

إنه مشهد سوداوي قاتم بدأت طلائعه بالظهور، فسقوط القطاع المصرفي اللبناني سيعقبه الأنهيار الكبير حتماً ، وحتى الآن لا يبدو أن المسؤولين جادون في التنازل ولو قليلاً عن غاياتهم ومصالحهم الشخصية، ومصالح أسيادهم في الخارج، لصالح إنقاذ الوطن. وربما هذا ما دفع ببعض السياسيين، لمطالبة الجيش بوضع يده على السلطة، وإنقاذ البلد قبل فوات الآوان.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *