اكرم كمال سريوي - رئيس تحرير "الثائر" اللبنانية

اكرم كمال سريوي يكتب… انخفاض اليورو ومخاطر تفكك الاتحاد الأوروبي.!

في 2022/4/29 كتبت مقالاً توقعت فيه انخفاضاً كبيراً بسعر صرف اليورو حتى يتساوى مع الدولار، وأمس الثلاثاء 2022 قد حصل ذلك بالفعل فتساوى اليورو مع الدولار، والأهم أن المعطيات تشير إلى استمرار تدهور سعر صرف اليورو في الأشهر القادمة، بحيث سينخفض إلى مستوى قياسي، بسبب تداعيات الأزمة الأوكرانية، على اقتصاديات الدول الأوروبية، والانكماش الحاصل، وكذلك نسبة التضخم التي تجاوزت 12% في بعض الدول، وموجة الغلاء، المترافقة مع ارتفاع أسعار الغاز والمحروقات، ومن المتوقع أن ترتفع أكثر بعد أن خفّضت روسيا إمداداتها من الغاز إلى أوروبا عبر خطي “يامال” و “نورد ستريم-1”
انساقت الدول الأوروبية خلف سياسة العقوبات الأمريكية على روسيا دون التبصّر بالعواقب، وقاد رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون، الحملة ضد روسيا بشراسة، لكنه كان أول ضحاياها، بحيث سقط عند أول صدمة واجهتها حكومته، في حين أصبح الانقسام حاداً داخل الدول الأوروبية، حول سياسة الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا، والذي أصبح بنظر الأوروبيين، يتم على حساب رفاهية شعوبهم، وبدأت الحركات المعارضة لهذا الدعم، ولسياسة العقوبات على روسيا، تتنامى بسرعة وتهدد بسقوط قادة كبار.
 
ما زال الأمريكيون يمسكون بمفاصل اللعبة في عدة دول، وقد شاهد العالم ماذا حدث لرئيس سريلانكا جوتابايا راجاباكسا، ورئيس وزرائه، في الأيام الماضية، بعد أن حاول التقرب من روسيا، وأجرى اتصالاً مع الرئيس فلاديمير بوتين، في السادس من الشهر الحالي، واتفق معه على تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين، خاصة في مجالات الزراعة والطاقة والنقل، وطلب راجاباكسا من بوتين، أن تستأنف شركة أيرفلوت الروسية رحلاتها إلى سريلانكا.
 
لا تملك الولايات المتحدة ذات التأثير السياسي في أوروبا، لكنها من خلال منظمة حلف الناتو، تقود الحلف وتتحكم بسياستة وعمله العسكري، وقد أدّت سياسة القادة الأمريكيين وإصرارهم على ضم كل من جورجيا وأوكرانيا إلى الحلف، الذي بنى استراتيجيته العسكرية على العداء لروسيا، بدفع البلدين إلى أتون الحرب مع روسيا.
 
بالطبع كان يمكن تجنّب الحرب في أوكرانيا، وأي تفاهم مع روسيا كان أفضل من هذه الحرب المدمرة، التي كبدت الطرفين آلاف الضحايا، وخسائر بمليارات الدولارات، لكن الغرب والولايات المتحدة الأمريكية تحديداً، تعلم أنها المستفيدالأكبر من هذه الحرب، التي لن تخسر فيها أي جندي أو طائرة، فهي تقاتل عدوها اللدود بدماء شعب وجيش آخر ، وتُغدق عليه الوعود بمساعدات، لا تُشكّل 10% من حجم الخسائر التي لحقت وتلحق به يومياً.
 
تخلى العالم عن أوكرانيا، وسيتركها تواجه مصيرها، بعد أن وجد الأوروبيون أنفسهم عالقين في الوسط، فلا هم قادرون على الاستغناء عن الغاز والنفط الروسي، خاصة خلال الشتاء القادم، ولا هم قادرون على ترجيح كفة الحرب لمصلحة أوكرانيا، وتحولت خطة استنزاف روسيا إلى استنزاف اقتصادي حقيقي لأوروبا، وباتت دولها تتسابق لزيادة الانفاق العسكري، وشراء الأسلحة من أمريكا، العاجزة أمام التمدد الاقتصادي الصيني، حتى داخل القارة العجوز.
 
هذا الاختناق الأوروبي سيشكّل منعطفاً حاداً، وسيؤدي إلى مزيد من التدهور في القوة الاقتصادية الأوروبية، وسينعكس مزيداً من التدهور في سعر صرف عملتها الموحّدة اليورو، وباتت عدة دول تُفكّر أن تحذو حذو بريطانيا بالانسحاب من الاتحاد، والعودة إلى عملتها الخاصة، حيث تجد في ذلك أكثر آماناً لها، وقد رأينا ما حققه اليمين المتطرف من تنامي لشعبيته في أوروبا، خاصة في المانيا، وهولندا، وكذلك في الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة، حيث فاز مرشح الوسط إيمانويل ماكرون بصعوبة، بعد أن نال دعم اليسار المتوجس من سياسات وأهداف ماري لوبان.
فهل بات الاتحاد الأوربي على شفير الأنهيار، وهل سيسجل الرئيس جو بايدن انتصار أمريكا الثاني، بتفكيك الاتحاد الاوروبي، بعد النجاح في تفكيك الاتحاد السوفياتي السابق في 26 ديسمبر 1991؟؟؟
الجواب رهن نتائج الحرب في أوكرانيا، وأي توازن دولي جديد ستسفر عنه، وكيف سيتصرف القادة الأوروبيون، لمواجهة الأزمات التي تدق أبواب القارة المليئة بالتناقضات.
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: