عندى كلام .. مع ” حمار ” الشيخ عبدالسلام

سئلت نفسى يوماً ، ما هو أكبر رقم فى الدنيا ، فلم أجد إجابة على سؤالى . فقد وجدت أنه لا نهاية للإرقام كما أنه لا نهاية للكلام ، أى أن عبارات ” أخر كلام ” أو ” إنتهى الكلام ” أو ” أخر السطور ” أو ” الكلمة الأخيرة ” كلها مصطلحات لم يكن لها أصلاً فى الوجود مكان .
وسط أكوام التراب ورائحة الكتب التى عفى عليها الزمن من ترك القوم لها دونما إدنى إهتمام أجدنى أتصفح بين ثنايا كتابات ” أنيس منصور ” لأقف محملق العينين أمام ” حمار الشيخ عبدالسلام ” حيث أن قاضي القضاة واسمه العز بن عبد السلام ركب حماره ووقف على حدود مصر. هو نيابة عن العلماء. وحماره نيابة عن الشعب المصري..فتذكرت كلمات قالها لى أحد أقطاب الصحافة فى مصر حينما بدأت أكتب مقالات أدبية هزلية ساخرة ، أن الصحف كانت تخضع للرقابة، وكان الصحفيون يلعبون مع التحرير لعبة عسكر وحرامية.. فكانوا يحذفون الأخبار التي يرون منعها ،والصحفيون يتحايلون عليهم بإعادة كتابتها بصيغة أخري وعناوين جديدة.
واليوم يحدث لى – مع الفارق فى التشبيه بعمالقة الصحافة – ما حدث لبعضهم من التعرض من المنع من الكتابات فى إحدى الجرائد التى كنت دوماً حريصا على قرائتها وأنتظر ساعات طويلة ليلة الأربعاء من كل أسبوع لأحصل على نسخة ورقية أعيش معها طيلة الأسبوع ، وبعد مرور السنوات وإلتحقت بركب ” بلاط صاحبة الجلالة ” على حد قولهم ، أجدنى ألتحق بنفس الجرنال لأسطر بين ثنايا صفحاته بعض من هموم وآلام وآمال ذلك الشعب المغلوب على أمرة ، وهنا كانت المفاجأة ، ففى ظل الحرية التى نعيش فيها فى زمن الإعلام أجد أن هناك فارق كبير بين صحافة تخضع لقلم الدولة ، وصحافة تخضع لضمير الكاتب.، وصحافة ” تتأرجح بها أيدى عابثة تتجاهل آمال وآلام ذلك الشعب الشريف العفيف ، يعمل بها أناس لا يمكن وصفهم إلا كما وصفهم الشاعر هشام الجخ ” بالنطاعة ” فى قصيدته الشهيرة ” جحا حين قال “وطن وغرقان فى النطاعة ، كل شى ريحته نطاعة “، فهم لا يعرفون إلا تزييف الحقائق ، ولصق الأخبار على حوائط صفحاتهم دونما معرفة لمصادرها ، ولا حقيقتها ، حتى أنهم لم يلتحقوا بركب ” سرعة الخبر ” فقد كنت أرسل إليهم الخبر فلا أجده إلا بعدما ” يغرق فى الحامض ” ، وجدتهم ” يطبلون ” للسيادة الملكية ، و” يلمعون ” للمحافظين والوزراء ، و” يتجاهلون ” البسطاء ، وإن حاول بعض المحررين نقل ” هم وغم الغلابة ” ، تجاهلو موضوعاتهم وهللوا وراء ” الشو ” .
الآن أقولها ولا أخشى فى الله لومة لائم ” على الذين يعملوا فى بلاط صاحبة الجلالة أن يعلموا أن كتابًا كبارًا تعرضوا للفصل من صحفهم.. وبعضهم منع من الكتابة.. لكنهم ثبتوا على أقدامهم ، وتركوا لنا موروثا لابد أن نحافظ عليه . فقد جاء اليوم ليعرف الجميع أننا بدأنا نعيش مناخاً من الحرية .. ولا يوجد رقيب علي أقلامهم.. وليس هناك جهاز يقوم بتحليل ما يكتبونه، كما كانوا يفعلون مع جيل الستينيات .
على جميع الإعلاميين فى مصر أن يعلموا أنهم يعيشون عصرًا لم تشهده الصحافة من قبل.. فهي تعيش الآن أزهي عصورها من الحرية ، ولذا يجب على الجميع أن يكونوا أمناء علي الكلمة، ولا يستخدم البعض منهم الأقلام كسلاح فى الإساءة والتشهير ، وأن يجعلوا نقهدهم نقداً بناء وليس فى هدم الدولة ،وليعلم كل صاحب ” مؤسسة إعلامية ” أنه راع ومسئول عن رعيته ، وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ، وعليه أن يقف من مجلسه ويكشف عن بؤر الفساد ولا يخفيها ولا يسلم نفسه لرجال المال والأعمال .
أختم بكلمات أحد الفضلاء فى مجال الإعلام ” إن الصحافة تريدكم الآن فرسانًا للكلمة الشريفة فلا تخذلونها ” , أقول ” لا خوف من أن ينتهى الكلام .. ولا خوف من أن يجف نهر المعرفة ، وتمسك سماء الفكر أمطارها طالما أنه ” عندى كلام ” .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *