نظرة في علم النفس من منظور اسلامي

عن صدق الرؤيا وكذبها وغرابة أن الإنسان يري الرؤية ولم تكن تخطر له علي بال ، وكذلك سر الراحة النفسية التي تنشأ بين الناس من أول وهلة دون مصلحة ، وكذلك سر الذاكرة والنسيان :-
سأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ( باب مدينة العلم ) عن كل تلك المسائل وكانت الإجابات التي تحل الكثير مما يحير علماء النفس في الوقت الحاضر ، وهذه المسائل التي سأل فيها الصحابة دليل علي اهتمام الصحابة بالقضايا العلمية والتي تحير العلماء في عصرنا الحديث وهي من الإعجاز العلمي في السنة لأن الإجابات من معلم البشرية صلي الله عليه وسلم .
فعن ذلك اللقاء العلمي بين الصحابة ذكر عبد الله بن منده الحافظ في كتاب (النفس والروح) من حديث محمد بن حميد عن سالم عن أبيه قال : لقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه على بن أبى طالب كرم الله وجهه فقال له : يا أبا الحسن ربما تكون شهدت وغبنا ، وغبنا وشهدت ثلاثاً أسألك عنهن فهل عندك منهن علم ؟
فقال له على وما هن ؟
فقال عمر : الرجل يحب الرجل ولم يرى منه خيرا والرجل يبغض الرجل ولم يرى منه شرا ؟!
فقال على :- نعم سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : ﴿ إن الأرواح جنود مجنده تلتقي في الهواء فتتشام كتشام الخيل فما تعارف منها إئتلف وما تناكر منها اختلف ﴾ .
قال عمر واحده ، ثم قال : والرجل يحدث الحديث إذ نسيه وبينما هو وما نسيه إذ ذكره ؟
فقال على :- نعم سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول :-
﴿ ما في القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر بينما القمر مضئ إذا تجللته سحابة فأظلم إذ تجلت فأضاء وبينما القلب يتحدث إذا تجللته سحابة فنس إذا تجلت عنه فيذكر﴾ {ذاكرة القلب}.
قال عمر اثنتان ، ثم سأل : والرجل يرى الرؤيا فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب .
فقال على : نعم سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول :
﴿ ما من عبد ينام يتملى نوما إلا عرج بروحه إلى العرش فالذي لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تصدق والذي يستيقظ دون العرش فهي التي تكذب ﴾ .
فقال عمر : ثلاث كنت في طلبهن فالحمد لله الذي أدركتهن قبل الموت
(الحديث عزاه الهيثمي في المجمع كتاب العلم باب سؤال العالم عما لا يعلم – الطبراني في الأوسط)
وظل عمر بن الخطاب يعجب من كلام علي كرم الله وجهه فقال على بن أبى طالب له حين عجب لرؤيا الرجل لم تخطر له على بال يا أمير المؤمنين يقول الله عز وجل ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ الزمر42 ، فالأرواح يعرج بها في منامها فما رأت وهى في السماء فهو الحق فإذا ردت إلى أجسادها تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها فما رأت من ذلك فهو الباطل .
-وذكر الطبرانى من حديث على بن أبى طلحه : أن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال لعمر بن الخطاب يا أمير المؤمنين أشياء أسألك عنها فقال : سل ما شئت ، قال يا أمير المؤمنين مم يذكر الرجل ومم ينسى ؟ ومم تصدق الرؤيا ومم تكذب ؟
فقال عمر بن الخطاب :- إن على القلب ضخاوه كضخاوه القمر فإذا تغشت القلب نسي بن آدم فإذا انجلت ذكر ما كان نسي وأما مم تصدق الرؤيا ومم تكذب فإن الله عز وجل يقول :
﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ الزمر 42
فمن دخل منها في ملكوت السموات فهي التي تصدق وما كان منها دون الملكوت فتلك التي تكذب .

* د . عبد الحليم محمود – في كتابه الإسلام والعقل _190
( هذا النوع من الرؤيا الصادقة تعترف به الأديان كلها والطريف في أمر الرؤيا أن لها معبرين أو مفسرين ففي الأغلب والأعم تأتي رمزية وحل هذه الرموز إنما هو فن قائم بنفسه اشتهر به رجال وكتب فيه الكتب فمن الرجال اشتهر محمد بن سيرين وعبد الغني النابلسي وخليل بن شاهين الظاهري وكل منهم ألف في هذه المادة كتاباً .
وتعبير الرؤيا وتفسيرها فن يشترك فيه الآن علماء التحليل النفسي وهؤلاء الذين يلهمهم الله التعبير من الصالحين إلا أن لذلك قواعد وأصول نذكرها فيما بعد من أهمها ألا تقص الرؤيا علي الملأ وتكون بين الرائي والمعبر سراً كما رآها الرائي سراً ولابد أن يراه ليعرف حاله فحال الرائي يساعد في التأويل ، فعلماء النفس التحليلي يقتصرون علي تعبيرها في جوانبها الحسية المادية ويكتفون يذلك أما الصالحون فيعبرونها في جوانبها الغيبية الصادقة ولا ينكر الناس شرقيين أو غربيين ومن القدماء والمحدثين أمر الرؤيا الصادقة فهي تقع في دائرة تجاربهم الشخصية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: