عمر انور يكتب… “البوسطجي..وصناعه الفساد..ّ!!”

مرغما اجد نفسي اكتب في فتره قصيره عن المخرج الكبير والذي اري (من وجه نظر شخصيه بحته) انه واحد من اعظم المخرجين وعلي مستوي العالم واري انه لم ينل سوي جزءا بسيطا من التقدير الذي يستحقه انه العبقري وسابق عصره حسين كمال .
وعن روايه (دماء وطين) للاديب الكبير يحيي حقي عام1968 
وفي فيلم (البوسطجي) قدم الاثنان اعظم وثيقه تاريخيه حيه لصعيد مصر والحياه في اقصي الصعيد الجواني كما لم يعرفها احد .
هذا الفيلم في رأيي اعمق وثيقه تعري المجتمع المصري كله بلا استثناء وكيف تصنع الدوله العميقه (كما درجنا علي تسميه اخلاقيات المجتمع المصري في الفتره الاخيره) كيف تصنع الفساد والذي يضرب في اعماق المجتمع المصري عبر الاف السنين منذ عراها ايضا (الفلاح الفصيح) في خطاباته منذ خمسه الاف عام.
ويحكي الفيلم قصه الشاب ابن المدينه ورفاهيتها (شكري سرحان)البوسطجي الذي انتقل من عز ورفاهيه العاصمه القاهره الي فقر الصعيد الجواني في احدي قري اسيوط النائيه من اجل الترقيه. شاب نظيف وموظف مجتهد وملتزم بقيم واخلاق الوظيفه والمجتمع يأبي مجتمع القريه الفاسد والمرتشي والفاجر الا ان يضمه الي منظومه الفساد بأي وسيله بدايه من العمده الاشد فسادا وحتي ضابط النقطه الذي استسلم ايضا للفساد والتعايش مع جرائم الثأر والعادات والتقاليد الفاسده للسلطه فدوارالعمده الفاسد والجشع يؤجره لمن يشاء وبالاجر الذي يفرضه . فلتس افندي زعيم الفاسدين المرابي والمقامرويعمل في اي شىء مقابل المال . صلاح منصور التاجر الثري والذي يقتل ابنته في نهايه الفيلم انتقاما لشرفه وهو من اكابر الفاسدين يعتدي علي الخادمه ويلطخ شرفها ويقتل ابنته نتيجه لنفس الفعل حتي الخادمه ايضا فاسده كانت دائما تحاول اغرائه جنسيا .
الزوجه ايضا فاسده تري خيانه زوجها مع الخادمه لا تعترض ولكن تدبر لجريمه تقتل فيها الخادمه الضحيه وتترك زوجها المعتدي باسم الشرف. 
الدلاله مخزن اسرار القريه وام الموبقات جميعا فهي تتاجر في اي شيء بدايه من المواعيد الغراميه وحتي عمليات الاجهاض والتستر علي الفضائح مرورا بتجاره الاقمشه وادوات التجميل والرسائل الغراميه .
ياعزيزي كلنا فاسدون وان كان بدرجات مختلفه ……………….
فساد فساد فساد في كل مكان حاول بطل الفيلم في البدايه ككل الشباب ان يصلح احوال العمل فقوبل بفساد الدوله العميقه والتي اما ان يفسد اويترك المكان لفاسد ىرضي بهذه الاوضاع.
يبدأ الفيلم بمواجهه بطله لاول صور الفساد من العمده وشيخ الغفر الذين يساومانه لايجار منزل العمده الخرب ثم مشهد خطير لموت جاموسه احد الفلاحين والذي يؤكد فلاح منهم انها سوف يباع لحمها في الغد وهو ما يؤكد تضامن اهل القريه جميعا مع الفساد ويبدا في مجابهه اول الفاسدين موظف البوسطه قريب العمده الذي ادار مكتب البوسطه لحسابه الخاص ويلخص للموظف الجديد الحياه في القريه ومواطن الفساد في القريه واكابر الفاسدين في البلده .
والشخصيه الوحيده النقيه والمتوازنه في الفيلم هي ناظر محطه السكه الحديد والذي يمثل الطيبه والعقل والقدره علي التعايش مع اهل القريه وذلك بحكم عيشه بعيدا عن القريه بحكم عمله.
ويقاوم البوسطجي الجديد محاولات البلده لارهابه وافساده بدايه من تهديدات العمده كبير البلد و أغراءات معوض افندي فلتس صاحب ماخور الفساد
من خمر وقمار وغيرها من المفسدات والذي ينجح في بيعه الخمر ام الكبائر والتي تقوده الي غازيه القريه لتبدا اولي زلاته وبدايه نهايته ومع الملل وقسوه الحياه في القريه تتوالي السقطات ليبدأ كغيره في الاستسلام للفساد والفاسدين وشكاواهم ومكائدهم ويعاقر الخمر والمجلات الاباحيه
حتي ينحدر الي جريمه قراءه خطابات اهل القريه ليقطع الملل ورتابه الحياه الصعبه والتي يكون نتيجتها مقتل الفتاه صاحبه قصه الحب في الفيلم وهنا تكون النهايه والسقوط كغيره في مستنقع الرزيله والفساد.
يقول حسين كمال عن اسلوبه السينيمائي(اسلوبي استمده من العمل نفسه . اخذ المشهد واذوب فيه تماما فالمشهد هو الذي يفرض علي الطريقه التي انفذها به والعمل المكتوب هو الذي يفرض ويحدد اسلوب المعالجه) . وكما يحكي السينمائي (حسن حداد) فقد سافركمال الي اسيوط لمده ثلاثه اسابيع
وذهب بالفعل الي قريه النجيله التي تبعد عن اسيوط ساعه ونصف الساعه ليتاعيش مع اهلها فقد كان حريصا علي اظهار القريه بشكل واقعي صادق ومختلف عن ما سبق ان ظهرت به القريه فيما سبق من افلام في السينما المصري واستطاعت شخصيات الفيلم ان تقنعنا بمصداقيتها وذوبانها في واقع الحياه.
استطاع حسين كمال ان يقدم لنا في هذا الفيلم نموذج جديد للفيلم الواقعي الوثائقي في نفس الوقت أرخ فيه للحياه الاجتماعيه ومفرداتها وعاداتها وتقاليدها وكيف ان اهمال الصعيد جعل الحياه به مستحيله حتي علي اهله ولذلك ولقسوه الحياه هناك انتقل الكثير منهم للمدينه ونقل معه كل تراثه القديم قدم التاريخ وبذلك بدأ ظهور وتكون العشوائيات علي اطراف المدن ثم غزت قلب كل المدن الكبير ومن مميزات اسلوب حسين كمال في المزج بين التراث ومفردات الحياه من شكل القريه وبيوتها وتراثها من ملابس وازياء واعمال يدويه وصناعات بدائيه وحرف ومهن مثل السقا وراعي الغنم ووابور الطحين استطاع ان يذيبهم في مشاهد الفيلم دون ان تشعر بأقحامهم كما يفعل بعض المخرجين لاضفاء واقعيه للعمل .كذلك نجح كمال في ابرازتطور شخصيه البوسطجي والتدرج في الاستسلام والتحول في الشخصيه عبر ملابس البوسطجي فقد ظهرت في بدايه الفيلم ملابس البوسطجي الرسميه شديده الاناقه حتي تحسبه من ضباط الشرطه ورويدا بدأ يخلع ويتنازل عن اعتزازه بملابسه الرسميه فنري المنديل المحلاوي تحت الطربوش الي ان ينتهي بالاستسلام يلبس الجاكت الرسمي فوق الجلابيه والتي كان يعتبرها اهانه واهدارا لشرف الوظيفه.
جاء سيناريو الفيلم لدنيا البابا والاديب الكبير صبري موسي كاروع ما يكون في اظهار القريه المصريه في الصعيد وكأنه عمل تسجيلي او وثائقي وجاءت شخصيات الفيلم وكأنها شخصيات طبيعيه تؤدي دورها الحقيقي في فيلم وثائقي ونجح الفيلم بدرجه ممتازه في نقل الحياه في قري الصعيد وجفافها ومدي قسوتها.
وقدم الفنان القدير شكري سرحان احد اهم افلامه علي الاطلاق فقد استاع ان يرسم بشكل رائع شخصيه الموظف القاهري المتعجرف حين تحكم ظروفه ان يعمل في منفي الموظفين بالصعيد وكيف تجبره الظروف علي الخضوع للفساد ليصبح ترسا في ألاته الجهنميه.
في رأيي الخاص ان بطل الفيلم الحقيقي بغض النظر عن حجم الدور هو الفنان حسن مصطفي الذي ذاب وتقمص الشخصيه حتي تحسبه احد اهالي القريه الحقيقيين جاء توا الي العمل بالفيلم . وجاء اداء صلاح منصور باهتا ومكررا ونسخه غير جيده من فيلم الزوجه الثاني.
ايضا من ابطال الفيلم مهندس الديكورحلمي عزب الذي نجح في اذابه اي فرق بين المشاهد الداخليه المصنوعه والمشاهد الخارجيه الحقيقيه للقريه .
هذا الفيلم الرائع اعتبره صرخه مازال يتردد صداها بشده وان لم نستمع لاهل الجنوب حيث مازال يعاني من الاهمال الشديد والذي لمسته بعيني خلال اسفاري الي الصعيد والذي لم يتغير واقعه حتي الان عما ظهر بالفيلم منذ خمسون عاما تقريبا فستكون الطامه الكبري والتي لن يفيد عليها الندم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *