تفكرت كثيرا في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين ، و ( اضربوهم ) عليها وهم أبناء عشر سنين )) أخرجه أحمد وأبو داود . وكان تفكري منصبا أكثر على ما يمكن فهمه من معنى قول النبي ( واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين ) !! وبالأخص على المقصود من ( واضربوهم عليها ) !! هل المعنى المقصود هنا هو ( الضرب الحسي الجسدي المبرح أو غير المبرح المؤدي إلى الإيذاء الشديد أو الخفيف ) ؟!! هل هذا هوم المعنى المقصود أم أنه يمكن أن يكون هناك معنى آخر ؟
بداية لابد أن نعلم أنه لا ضرب ولا عقاب في الإسلام إلا بحد معلوم العقاب يكون صاحبه قد اقترفه ، ولابد أن نعلم أن الصبي ( ذو العشر سنين ) في الإسلام ليس مكلفاً تكليفا شرعيا بأداء ما أمر الله سبحانه المكلفين البالغين من أداء الأوامر التي أمروا بها وترك النواهي التي نهوا عنها . ولابد أن نعلم أيضا أن البالغ والكبير في الإسلام إذا قصّر في أداء الصلاة أو حتى تركها فليس عليه حد أو عقاب بالضرب . ولابد أن نعلم أيضا أن هذا الحديث يقول ( اضربوهم عليها ) ولم يقل ( اضربوهم على تقصيرهم في أدائها ) أو اضربوهم لأنهم لم يصلوها
ولقد تفحصت أقوال أغلب السابقين من العلماء والمفكرين الإسلاميين في تفسيرهم لمعنى قول النبي ( واضربوهم عليها ) ، فما وجدتهم يفهمون من هذا القول للنبي إلا معنى ( الضرب الحسي للصبي ) ذو العشر سنين إذا قصر في أداء الصلاة أو تغافل وتكاسل عنها !! وهذا رابط موضوع بعنوان ( كيف يكون ضرب الأطفال على الصلاة ؟ ) وهو يعرض لأقوال كثير من أولئك العلماء في هذا الشأن : http://islamqa.info/ar/127233
ولكني بعد أن قرأت هذه الأقوال جميعها وجدت نفسي مشغولا بمعاني لفظة ( ضرب على ) في اللغة العربية ، فوجدت أن منها ما يحتمل المعنى هنا على وجه ( الإقامة على ) ، وكما أن معنى ( ضَرَبَ الخيمة أو ضرب عليها ) أي أقامها أو شدد في رباطها ، فيمكن أن يكون معنى قول النبي ( واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين ) أي ( وأقيموهم عليها وهم أبناء عشر سنين ) أي أنه لا يجب عليكم إذا بلغ أولادكم عشر سنين أن تكتفوا فقط ( بالتعليم التنظيري الشفوي ) الصلاة لهم ، بل يجب عليكم أن تعينوهم فتقيموا فعالية حركة أجسادهم وفق صحيح أركان الصلاة وتساعدوهم وتسندوهم و ( توقّفوهم وتوفّقوهم ) على أداء حركات الصلاة كما تؤدوها أنتم دون خروج على مقتضياتها ، لا كما يفعل الصغار إذا وقفوا ( وحدهم ) في الصفوف لأدائها وهم قبل البلوغ وقبل سن التكليف الشرعي
ولا يقتضي أبدا هذا ( الضرب على … أو الإقامة على …. ) والذي هو بمعنى ( التعليم العملي التجريبي الخبراتي ) لأداء الصلاة من الصغار ، لا يقتضي أن يُعاقب ( ضربا بالإيذاء الجسدي ) من يخطئ منهم أو يُقصّر في أدائها ، لأن ( هذا الضرب – الإيذاء ) ليس واردا في الإسلام أصلا ، لا ( حداً ) ولا تصرفاً ( تربوياً ) ، ولأنه ليس مشروعا على الكبير عقابا ، ولا مشروعا له لكي يعاقب به غيره في هذا الموقف العبادي التديني الصرف بين العبد وربه . وليس هناك وجه شبه أو مقارنة بين تعليم الصغار ( حرفة أو صنعة ) وضربهم ( جسديا إيذائيا ) عليها لكي يحسنوا أداءها ويتقنوا عملها من أجل كسب مال لهم ولغيرهم ، وبين تعليم الصغار الصلاة وإقامة الكبار لهم عليها لكي يصح تدينهم من أجل الله ، وليس من أجل أهاليهم أو من أجل الناس . والإقامة من الكبار للصغار على الصلاة تقتضي الصبر والتحمل من الكبير للصغير ، وتوقع الوقوع في الخطأ مرات عديدة وتصحيحه نظريا باللسان وفعليا وعمليا بالأركان ( دون إيذاء أو عقاب ) ، حتى يستقيم الصغير في أداء الصلاة لله وليس خوفا من العقاب بالضرب
وإذ نشأ الأطفال للأسف على تأدية الصلاة خوفا من الضرب والإيذاء الجسدي ، فإنهم لا يؤدونها حين يأمنون هذا النوع من العقاب ، وهذا ما يحدث في أحيان كثيرة أن يهرب الأطفال من أمام أعين أهليهم ويكذبون أنهم أدوا الصلاة خوفا من ضرب أهاليهم لهم . وإذا استمرت الدائرة تدور بنا على هذا الحال ( نضرب نحن أبناءنا ليصلوا … ثم بعد ذلك يضرب أبناؤنا أبناءهم ليصلوا ) فلن تصح صلاة لوجه الله كما ينبغي أن تكون لله فعلا ، لا من أولئك ولا من هؤلاء ، لا في الحال ولا في المآل !! والمطلوب منا جميعا هو الفهم الصحيح لمعنى ( واضربوهم عليها ، أي أقيموهم عليها ) بحسن إقامة تعليمية وعملية وتحمل تكرار أخطائهم وتصحيح هذه الأخطاء دون ضرب أو إيذاء جسدي قد يجعلهم يتركون أداءها أصلا وليس فحسب ترك إتقان أدائها . إننا في حاجة إلى فهم ( تديني ) يُعلي من قيمة الإنسان ويحافظ على ذاته ( لله ) ويحفظ له كرامته كبيرا كان أم صغيرا
جريدة أحوال مصر
