الاستبعاد الاجتماعي مصطلح له رؤي وتعريفات عديدة من باحثين علم الاجتماع، وصفه “فيبر” أنه أحد أشكال الانغلاق الاجتماعي، وأن الانغلاق الاجتماعي هو المحاولة التي يقوم بها جماعة لتؤمن نفسها بمركز متميز علي حساب جماعة أخرى من عملية إخضاعها.
ومن وجهة نظر “جوردان” أنه ما تقوم به جماعة من الاستبعاد الفعال لجماعة أخرى، ومثال علي ذلك هو المجتمعات المحلية أو الأحياء التي تعيش داخل سور ب أبواب خاصة وتتمتع بخدمات أمنية وهذا يدل علي التميز العرقي بصورة لاشعورية أو شعورية، أو فرص محدودة في الحصول على التعليم العالي أو الاعتماد على زملاء الدراسة القدامى في توزيع الوظائف الراقية عليهم.
لذلك أجد أن بداية نشأة مصطلح “الاستبعاد الاجتماعي” ترجع إلى فرنسا، حيث أصبحت العادة هناك تعتمد علي الإشارة للأفراد الذين تخطاهم “النظام البيماركي” للضمان الاجتماعي، وكان المستبعدون اجتماعيًا هم هؤلاء الذين استبعدتهم الدولة بصورة رسمية، وكانوا أولئك الأشخاص هم الذين أسقطت من عليهم شبكة الرعاية الاجتماعية في سبعينات القرن العشرين، وهم العجزة والوالدين الوحيدين بلا زوج وأولاد والمتعطلين الذين لا ينتفعون بنظام التأمين وخاصة صغار الشباب، وأدى ذلك إلي تفاقم المشكلات الاجتماعية في الضواحي الراقية بالمدن الكبيرة، وترتب على ذلك أن فرنسا شاركت في ثرائها الجمهوري في باقي الأقطار التي شاركتها وهو التراث القائم علي التماسك الإجتماعي باعتباره أمر جوهري وأصبح الفرنسي الحديث يؤكد علي خطورة البطالة وخاصة البطالة طويلة الأمد، لذلك اهتمت بهذا الشأن بلاد أوروبية كثيرة داخل القارة وهذا أدى إلى الإعتراف المزايد بتأثير العولمة علي البنية الاقتصادية الإقليمية والقومية، وأدي ذلك إلى إنشاء المرصد الأوروبي للاستبعاد الاجتماعي، وقرر قرارات متنوعة خاصة بالاندماج الاجتماعي على مستوي الاتجاه الأوروبي.
كما أؤكد على أن فكرة الاستبعاد الاجتماعي سمة متأصلة في طبيعية الرأسمالية ما بعد الصناعة، والتي تقوم علn سوق العمل المرن من الأفكار، وأن المستبعدين من وجهة نظرهم لا توصف بأنها طبقة دنيا دائمة، فهم يصبحون احتياطي للعمل فيتبادلون أفراد المواقع باستمرار مع الذين يعانون من العمالة ذات الوضع المتدني، وبهذا يساعد على إبقاء الطبقة العاملة قيد الضبط والرقابة.
كما أؤكد على أن قضية الاستبعاد الإجتماعي لها شكلين في المجتمعات المعاصرة:
▪︎ الشكل الأول، هو استبعاد أولئك القابعين في القاع والمعزولين عن التيار الرئيسي للفرص التي ينتجها المجتمع.
▪︎ الشكل الثاني، هو الاستبعاد الإداري، وهو ثورة جماعات الصفوة، وهي انسحاب الجماعات الثرية من النظم العامة والممارسات الحياتية اليومية وينعزلون عن بقية المجتمع وتعيش في مجتمعات محاطة بالأسوار، وأيضًا تنسحب من نظام التعليم العام والصحة العامة الخاصة بالمجتمع الكبير ودائمًا نرى الاتهام لهذه الطبقة الدنيا بأنها تمثل خطرًا كبيرًا على المجتمع لأنهم يسلكون سلوكًا يظهرون فيه عداؤهم للمجتمع كـ”الإدمان والجريمة” ويفتقدون الإرادة للبحث عن العمل.
إن مصطلح الاستبعاد الإجتماعي صورة من صور العجز عن الوصول إلى المنظمات السياسية والقانونية اللازمة لجعل هذه الحقوق واقعًا حيًا، ومازالت بعض الدراسات مهتمة بمتابعة فكرة التمييز وغياب الحقوق القابلة للتنفيذ.
وفكرة الحديث حول مصطلح الاستبعاد الاجتماعي أدى إلى إتاحة الفرصة للمناقشات الدائرة حول السياسة الاجتماعية لتمتد على مستوى القارة الأوروبية دون الإساءة لمشاعر السياسيين المحافظين.
العدالة الاجتماعية والاستبعاد الاجتماعي
الفكر الإنساني مصطلح تم تداوله على مر العصور، أما في العصور الحديثة أطلق عليه العلم الإنساني والاجتماعي، وكانت جميع الشعوب والدول تحلم بالعدل الاجتماعي والمساواة وبدأت تشكل فلسفتها الخاصة ونظمها الأخلاقية والقانونية، ولكن مازال العدل والمساواة بعيدين كل البعد عن الواقع وعن الناس في مجتمعهم، ومن هنا نستنتج من خلال العلم الاجتماعي المعاصر معنى العدل الواقعي والملموس للعدل، وهو نفس المعنى الصادق والحقيقي للمساواة، فالمساواة هي اندماج الناس في مجتمعهم على أصعدة الإنتاج والاستهلاك والعمل السياسي، وأيضًا التفاعل الاجتماعي واللا مساواة هي عبارة عن الاستبعاد والحرمان من هذه المشاركة، فلا بد أن نربط مفهوم الاستبعاد بفكرة المساواة الاجتماعية لأنها تعتبر بهذا الشكل “لب الاندماج”، فلهذا أؤكد على أن أي درجة من عدم المساواة في نفس مقدار الاستبعاد الاجتماعي.
ولكن أري أيضًا أن الاستبعاد الاجتماعي هو انتهاك للعدالة الاجتماعية لأنه يؤدي إلى عدم تكافؤ الفرص ويحرم ويمنع الأجيال الجديدة من فرصة التعليم الجيد وأيضًا العمل الجيد والمناسب وأيضًا عدم المساواة، ويوجد إنكار واضح لهم للفرص المتكافئة فيما يتعلق بالشئون السياسية، ولهذا تشعر الأجيال القادمة بالحرمان وضعف إيمانهم بالالتحاق بالمدارس لعدم وجود تكافؤ وهذا يؤدي إلى تدني التحصيل الدراسي ومستوى التعليم والثقافة، ولهذا لم تكن لهم فرصة عمل مناسبة، ولكن المشكلة هنا لا تتعلق بعدم تكافؤ الفرص التعليمية بوجه عام بل تتعلق بما يقوم به الاستبعاد الاجتماعي، وإنما المهم هو التجانس الاجتماعي للمدارس الناتجة عن الاستبعاد الاجتماعي، ولهذا نجد أن الكثير من الأطفال أصحاب الطموحات والميول الذين ينتمون للطبقة الوسطى يشكلون دعمًا لباقي الأطفال، ونجد أن المدرسة الخاصة بهم لا يتوافر بها القدر الكافي واللازم من أمثال هؤلاء الأطفال، وبالتالي تعجز عن توفير فرص تعليمية متكافئة للتلاميذ، لذلك يزداد تحقيق التجانس الاجتماعي للمدارس بشكل كبير حين يقوم الآباء الأثرياء بسحب أبنائهم من منظومة التعليم الحكومي أو المدارس الحكومية.
نجد أن هؤلاء الناس يعيشون ويعملون ويلعبون ويتزوجون من بعضهم البعض، وما يتمتعون به من امتيازات فهي مستمرة ويتم توفيرها بكل سهولة سواء على مستوي المدرسة الخاصة والتعليم الجامعي الراقي، فنرى أن بعض الناس لديهم فرص أقل بكثير جدًا في حياتهم والأخرون لديهم فرص أكثر بكثير مما يحتاجون، ومن هنا ندرك أن الاهتمام بدراسة الاستبعاد الاجتماعي يصدر عن توجه إنساني متقدم يزيد من قيمة الإنسان ويسعى ويجاهد لكي لا يقع ضحية لتطور المجتمع الذي يعيش فيه.
نعلم جيدًا أن السياسات الاقتصادية والاجتماعية قد اجتازت في تطورها المعاصر مراحل واضحة وغيرت من البرامج والخطط كثيرًا، فحاولت هذه السياسات والدراسات إلي مبدأ تراكم الثروة والهدف منها للمجتمع ورأت فيه سعادة للفرد، ولكن وجدت أن المال وحده بدون قيم وأخلاق توجهه وعلم يرقيه وصحة جيدة سيكون نجاح ناقص بالتأكيد.
ومن هنا بدأت هذه السياسات تهتم بتنمية البشر برفع مستواهم المعرفي والثقافي والصحي والأخلاقي، وهذا هو أساس كل خطوة نحو التقدم والتحضر وأساس كل نهضة حديثة. ولكن أصبحت العدالة الاجتماعية الغائبة وتزايد اللا مساواة في الانتفاع بثمار ذلك وعادت أخيرًا لتستعيد بعدها الإنساني وتركز على تحقيق السعادة للجميع.
أرى دائمًا أن الاستبعاد الاجتماعي سواء أخذ شكلًا قهريًا أو طوعيًا يقوض التضامن الاجتماعي ويمثل تهديدًا كبيرًا، وعلى الرغم من أن عواقبه تكون أكثر خطورة في حالة الاستبعاد القهري لذلك أجد أن من أهم عوامل تقوية التضامن هو اندماج المؤسسات المشتركة.
ينتج عن كل هذا أن هؤلاء الناس الذين يعزلون أنفسهم باختيارهم عن بقية المجتمع فبهذه الطريقة يمثلون خطرًا كبيرًا على التضامن الاجتماعي، ونجد دائمًا أن هذه الفئة المنعزلة هي التي تدير شئون السياسة والتشريع في المجتمع لذلك هذا يمثل خطرًا كبيرًا وملحوظًا وخاصة خلال العقد الأخير.
الاستبعاد مؤشر للبنية الاجتماعية
الاستبعاد ليس أمرًا شخصيًا ولا يرجع إلى تدني القدرات الفردية ولكن هو حصاد لبنية اجتماعية معينة، وأجد أيضًا أنه ليس موقفًا سياسيًا فقط أو طبقيًا فقط ولكنه يجمع بين كل ذلك ولا يتعلق بالأثرياء وحدهم ولا الفقراء وحدهم ولكن هي مشكلة الجميع، ويجب عليهم أن يعظموا الاندماج وتحقيق المواطنة الحقيقية ويقللوا الاستبعاد.
وبرغم أن الدراسات السابقة عن الاستبعاد أكدت على أنه ظاهرة ناتجة عن الفقر وعدم المساواة الاقتصادية، ووضحت في الوقت نفسه العلاقة بين الدخل والاستبعاد الاجتماعي لأنها علاقة غير مباشرة ولكنها نشأت من خلال معايشة مصير مشترك، ووضحت أن رفع مستوى المرافق العامة كالمؤسسات الصحية والمدارس والخدمات وتقديمها مجانًا لكل المنتفعين يقلل من خطورة التفاوت الشخصي، ولكن الدراسات الحديثة أكدت على شرط تقديم الخدمات بمستوى واحد وبجودة عالية وأيضًا توفير المسكن الملائم، وظل هذا ضروري لسهولة الانخراط والاندماج في الأمور العامة وبهذه الطريقة نتجنب الاستبعاد.
لذلك أؤكد أنه من الضروري مواجهة أزمة الاستبعاد في بلادنا والتعرف على وجودها وحجمه وتوفير مقاييس جيدة وتطبيقها بشكل مستمر والالتزام بقدر من الإفصاح العلمي والسياسي يتصف بالجرأة والشفافية. ومن هنا ستدرك مدى وجود المشكلات الكبر ومعرفة مدى تأثيرها وعواقبها، وتوجد أساليب وحلول لمواجهتها ولكن ليس عن طريق الخطابات أو الحملات الانتخابية أو المنصات الصحفية ولكن الأداة الوحيدة هي المقاييس التي تتمثل في التقارير الاجتماعية الواقعية الدقيقة التي لا تراعي سوى وجه الحقيقة.
وأرى أن أي مواجهة لظاهرة اجتماعية وخاصة عندما تكون هذه الظاهرة سلبية وتمس أعداد كبيرة من الناس كالفقر والحرمان والاستبعاد وندرك أنها طبيعة مركبة متداخلة مع الاقتصاد والسياسة والثقافة.
نستنتج من كل هذا أنه رد مباشر على بعض أقوال الرأسماليين المعاصرين، والذين يرون أن يتبنى نظام السوق وإطلاق العنان لآليات السوق، وهو بمثابة صك لهم على بياض ليفعلوا ما يشاءون، وأن عدم فرض القيود ليس مرادفًا للحرية ونجد أن البشرية لم تتخلص من قهر ديكتاتورية الفكر الواحد وتحكم الأفكار القطعية المسبقة في حياة البشر لكي تخضع لأفكار قطعية مسبقة من نوع جديد، وأن كل هذا رسالة واضحة ومباشرة لبلاد الرأسمالية ورموزها لتراجع نفسها وتتأمل في خطواتها وتنظر حولها لتتعلم، وأيضًا رسالة للتحذير من اتجاه التطور الاقتصادي المتعولم والمتحرر من الضوابط الاجتماعية الإنسانية إلى تفويض التضامن الاجتماعي من الأساس.
فلا بد من ضرورة الاهتمام بدعم المخصصات المالية لبرامج الرعاية الاجتماعية وتوسيع مجالها وزيادة قدرتها على التخفيف عمن لا يملكون القدرة على تحقيق ذلك لأنفسهم، ولأن رعاية الفئات الأكثر هشاشة أصبحت واجبًا وطنيًا، وأيضًا تفعيل دور القطاع والمنظمات التي لا تهدف للربح في تأمين هذه الرعاية الكاملة للوصول إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة والكرامة الإنسانية لكل مواطن وهذا هو أساس التقدم الاجتماعي.
جريدة أحوال مصر
