الكاتب الصحفي - محمود عابدين

محمود عابدين يكتب… “عيد الفلاح”.. وذكرى الثورة العرابية

فى ذكرى عيد الفلاح وأيضا ذكرى الثورة العرابية.. ورداً على بعض الذين يتعمدون تشويه صورة وتاريخ رموزنا الوطنية.. أوضح بأن الزعيم (الفلاح) أحمد عرابى.. رحلة كفاح من أجل الوطن.. فهل نسى أحد منا مطااب “عرابي” بتخفيف العبء عن كاهل المصريين، فرد عليه هذا المتغطرس قائلا: “ما أنتم إلا عبيد إحساننا، كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها، وأنا ورثت ملك هذه البلاد عن آبائي وأجدادي، وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا”….!!
فرد عليه “عرابى” بمقولته الشهيرة: “لقد خلقنا الله أحرارًا، ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا؛ فا والله الذي لا إله إلا هو، لا نُورَّث، ولا نُستعبَد بعد اليوم”.
ولد احمد عرابي في 31 مارس من عام 1841 بقرية هريه رزنه بمحافظة الشرقية، تلقى تعليمه الاول بالأزهر الشريف، و التحق بالجيش المصري في 6 ديسمبر 1854 كاتبًا، ثم رقي بعد ذلك إلى درجة الملازم عام 1858، حين أمر الوالي سعيد بترقية صف المصريين بالامتحان في صفوف الجيش، وكان عرابي على رأس المتقدمين، ثم رقي إلى رتبة يوزباشي (نقيب حاليًا) في عام 1859، ثم إلى رتبة صاغ (رائد) في العام نفسه، ثم بكباشي (مقدم) في عام 1860، ثم قائمقام (عقيد) في شهر سبتمبر من العام السابق نفسه .
وبعد أن تعرض ضباط الجيش المصري لظلم كبير على أيدي ناظر الجهادية (وزير الدفاع) عثمان رفقي باشا، والذي أصدر قرارات عديدة ضدهم ولمصلحة الضباط الشراكسة ، وأثارت تلك القرارات غضب الضباط المصريين، واتهموا الشراكسة بالعمل على استعادة دولة المماليك، ثم اتفق الضباط المصريون على تقديم مذكرة لرياض باشا رئيس الوزراء آنذاك والذي كان يسمى بـ «رئيس النظار»، ووقع عليها عرابي واثنان من زملائه، إلا أن الخديوى اعتبر أن تلك المطالب ليست من حق الضباط المصريين، وأثارت غضب الخديوى ورفضها وأمر باعتقال عرابى و زملائه بتهمة التآمر لمحاكمتهم عسكريا، الا ان زملاءهم قاموا بتحريرهم وانضمت اليهم المزيد من الوحدات المصرية .
اضطر الخديوى إلى الاستجابة لمطالب عرابي وزملائه، وأصدر قرارًا بتعيين محمود سامي البارودي باشا وزيرًا للجهادية، بعد تزكية عرابي له، و شرع محمود سامي في تعديل القوانين العسكرية وإصلاحها، ولكن سرعان ما عزله رئيس الوزراء وعين داود باشا يكن مكانه، وأصدر الأخير قرارات انتكاسية تعيد الاضطهاد للضباط المصريين في صفوف الجيش، وتقدم مميزات كبيرة للشراكسة، فرفض الضباط المصريون تلك القرارات، وقدموا مذكرة ثانية صباح يوم الجمعة 9 سبتمبر 1881 يعلمون فيها الحكومة بقدوم كامل القوات المقيمة بالقاهرة إلى سراي عابدين عصرًا، لعرض طلباتهم على الخديوى، ثم خاطبوا القناصل الأجانب لتطمينهم على سلامة رعاياهم، وفي ذلك اليوم دار الحوار التاريخى ما بين الخديوى توفيق وبين عرابي.
اضطر الخديوي للاستجابة مجددًا لمطالب الضباط المصريين وأسقط الوزارة وأنشأ مجلسا للنواب وزاد عدد الجيش.. و تشكلت حكومة جديدة برئاسة محمود سامي البارودي، وشغل أحمد عرابي فيها منصب «ناظر الجهادية» وكذلك نائب رئيس مجلس النظار. وبدأت خطوات إيجابية وفي مقدمتها إعلان الدستور، في 7 فبراير 1882.
نشب خلاف بين الخيدوى توفيق وبين الحكومة حول بعض الأحكام العسكرية، وأعطى ذريعة أخرى لإنجلترا وفرنسا للتدخل في شئون مصر، وبعثتا بأسطوليهما إلى شاطئ الإسكندرية تحت ذريعة حماية الأجانب من الأخطار، فالتف الجيش والشعب حول عرابي باعتباره الأمل في الحفاظ على مصر بعدما أدرك الشعب والجيش مدى سوء حكم الخديوى توفيق.
أرسلت إنجلترا وفرنسا بمذكرة تهديد مشتركة في 25 مايو 1882 يطلبان استقالة وزارة البارودى باشا وإبعاد عرابي وزير الجهادية عن مصر، وإقامة زميليه في قيادة الجيش علي باشا فهمي، وعبد العال باشا حلمي في الريف، لكن البارودي باشا رئيس الوزراء رفض المذكرة التي تعد تدخلا سافرا في شئون مصر، قدم البارودي باشا استقالته من الوزارة بعد موافقة الخديوى على المذكرة .
رفضت حامية الإسكندرية غير عرابي وزيرًا للجهادية، مما دفع الخديوي توفيق إلى إبقائه في منصبه، وتكليفه بحفظ الأمن في البلاد، و حدثت مذبحة الإسكندرية في 11 يونيو 1882، وقتل فيها نحو خمسين أوروبيًا وأصيب خلالها أيضا أحد ضباط الأسطول البريطاني، فكانت الذريعة لبريطانيا لمهاجمة مصر، حيث اتهمت إنجلترا عرابي باشا بالمسئولية عن الحادث، معتبرة أنه قام بالتحريض ضد الأجانب.
اشتكت بريطانيا من قيام مصر بنصب مدافع على أسوار قلعة الإسكندرية، وطالبت مصر بتسليم القلعة، وذلك في 7 يوليو 1882، وفي 12 يوليو بدأ الإنجليز فى مهاجمة الإسكندرية ونزلت قواتهم إليها في اليوم التالي، بعد ما سحب عرابي قواته إلى كفر الدوار للتحصن بها نظرًا لعدم القدرة على الدفاع عن الإسكندرية ،واعلن الخديوى توفيق في عرابى باشا متمردا، واستقبل في قصر الرمل بالإسكندرية قائد الأسطول البريطاني، معلنًا انحيازه الواضح والصريح إلى الإنجليز، مطالبًا عرابي بإنهاء التحصينات في كفر الدوار وتسليم نفسه .
طلب عرابي عقد جمعية وطنية ممثلة من أعيان البلاد وأمرائها وعلمائها لبحث الموقف، وبالفعل اجتمعت الجمعية في 17 يوليو 1882،وكان عدد المجتمعين نحو أربعمائة، وأجمعوا على استمرار الاستعدادات الحربية ما دامت بوارج الإنجليز في السواحل، وجنودها يحتلون الإسكندرية، وفي يوم 22 يوليو شهدت مصر اجتماعًا حضره نحو خمسمائة من كبار الأعيان والشيوخ ، وبعد مداولة الرأي أصدرت الجمعية قرارها بعدم تنفيذ قرار الخديوى بعزل عرابي عن منصبه، وقررت أيضا وقف أوامر الخديوى ووزرائه وعدم تنفيذها؛ لخروجه على الشرع والقانون.
أراد “عرابى” ردم قناة السويس لإغلاق الطريق امام القوات البريطانية من التقدم، لكن فرديناند ديليسبس – الحاصل على امتياز حفر وتشغيل قناة السويس – تعهدًا لـ “عرابي” بعدم السماح بعبور سفن الأسطول الإنجليزي التي تحمل الجنود والسلاح لاحتلال مصر، ولكن ديليسبس خان وعده مع “عرابي”، وسمح للأسطول البريطاني بعبور القناة، ليحتل الإنجليز بورسعيد والسويس، وحدثت معركة التل الكبير، في 13 سبتمبر 1882، والتي شهدت فشل الثورة العرابية بعد خيانة بعض القادة التابعين للخديوي توفيق ورجاله وخيانة العميل ديليسبس، وتقدمت القوات البريطانية إلى القاهرة التى سقطت فى يد الاحتلال البريطاني 25 أغسطس 1882.
بعد دخول الإنجليز القاهرة، عاد الخديوي إلى قصر عابدين في 25 سبتمبر 1882، كان “عرابي” محتجزًا مع كبار قادته وفي مقدمتهم نائبه طلبة باشا، في ثكنات العباسية، حتى انعقدت محاكمته في 3 ديسمبر 1882 وقضت بإعدامه، ثم تقرر تخفيف الحكم إلى النفي لجزيرة سيلان (سريلانكا) حاليا، استقل عرابي ورفاقه السفينة مغادرين الوطن وكان برفقته عبد الله النديم (صحافي الثورة العرابية)، ومحمود سامي البارودي، واستقروا في مدينة كولومبو لمدة 7 سنوات، بعد ذلك نقل أحمد عرابي ومحمود سامي البارودي إلى مدينة كاندي،و بعد صدور عفو من الخديوى عباس حلمى الثانى عاد أحمد عرابي لمصر حتى توفى فى 11سبتمبر 1911 لتنتهى رحلة نضاله الطويلة من أجل الوطن.
ما سبق جعلني أغتنم لحظات من تاريخ طويل مشرف لعطاء الفلاح المصري منذ عهد الفراعنة، وسيدنا يوسف والسنوات السبع العجاف، مرورا بعهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ووالي مصر عمرو بن العاص، في عام الرمادة، وانتهاء بتضحية أجدادنا الفلاحين في حفر قناة السويس، ثم مصرية الزعيم الرحل جمال عبد الناصر نصير الفلاح الذي حرمه الاستعمار من أبسط حقوقه في الحياة، وهذا ما أوضحه فيلم “الأرض” الذي جسد أبطاله نضال الفلاحين المصريين ضد الإقطاع في ثلاثينيات القرن الماضي.
ففي إحدى القـري المصـرية الصغـيرة، يـدور صراع بين الفـلاحين، وعلى رأسـهم محمد أبو سويلم ( محمود المليجي )، وبين الاقطاعيين، حول مـسألة الـرّي التي هي عصـب الحيـاة في كـل قرية زراعـية، ومن الطبـيعي أن لا يتم انتصار الإقـطاعـيين إلا بمـسانـدة الدولة، عبر أجهـزتها الأمنـية والعـسكرية، وبالـتالي لا يستطيع تحالف أهـالي القـرية (الفلاحين) أن يصـمد أمـام تحالف الإقـطاع والـدولة، فقـد نجـح هذا التحالف الأخـير من إحداث انشقاق في وسط الفلاحين، يجد معه محمد أبو سويلم نفسه وحيداً في النهاية مع أقلية.
وقد كان بوسع الانتصار ان يتم لأهالي القـرية لولا هـذا الانشقاق، والـذي حدث انطلاقا من مواقع طبقية.. فالشيخ حسونة ( يحي شاهين ) مثلاً، وهو المناضل الذي يعيش علي أمجاده الوطنية السابقة، يتخلى في اللحظة الحاسمة عن موقعه النضالي المفترض، حتى يضمن مصلحته الخاصة، وكذلك المثقف والتاجر وغيرهم ممن خافـوا على مصالحـهم الفردية الخاصة، وهكذا تفشل انتفاضة الفلاحين في النهاية، بالرغم من اللقطة الأخيرة ذات الدلالات القوية والتي تحمل الامـل كما تحمـل اليـأس في نفـس الوقت.. ولا يمكن لمن شاهد فيلم الأرض، أن ينسى تلك اللقطة الختامية لــ”محمد أبو سويلم” وهو مكبل بالحبال والخيل تجرُّه على الأرض وهو يحاول التشبث بجذورها. إن الفـيلم بنـهايته هـذه يفتـح الباب على مصراعيه أمام سؤال كبير، يترك للمتفرج الإجابة عليه.
في هذا السياق، يهمنى الإشارة إلى دراسة مصرية حديثة، توضح إن الفلاح حظي بمكانة متميزة في مصر القديمة، «حيث كان سيداً»، وإن المعابد والمقابر الفرعونية، تضم نقوشاً ورسوماً ونصوصاً توثق حياة الفلاح في مصر القديمة. وقالت الدراسة الصادرة عن الجمعية المصرية للتنمية السياحية والأثرية، إن النيل كان منذ الأذل وحتى اليوم، أساسي في حياة للمصريين، الذين تمركزوا حول جانبيه، فعاشوا على الزراعة وتربية الماشية وصيد الأسماك.
وبحسب الدراسة، عرف الفلاح المصري القديم، بتنظيم الري والعمالة، كما عرف هندسة الري ومقياس النيل، الذي استفاد منه في تنظيم الدورة الزراعية، وكان قياس منسوب النيل أمراً بالغ الأهمية، وطبقاً للدراسة أهدى الفلاح المصري القديم، الكثير من أغنياته للنهر العظيم. وأكدت الدراسة التي أشرف على إعدادها الباحث المصري في علوم المصريات، فرنسيس أمين، أن الفلاح في مصر القديمة، كان عاملاً على ازدهار المجتمع، وجاء في الدراسة أن «الفلاح صاحب العمل الشاق إذا غمرت المياه أرضه يعتني بأدواته الزراعية، ويقضي يومه في صنع المعدات، أمّا ليله فيقضيه في صنع الحبال، ويقضي وقت الظهيرة في بذر الحَب”.
ما سبق، جعلنى أيضا أشفق على أجدادنا الفلاحين، من خلال كلمات قالها الكاتب “قسطنطين فرانسوا ڤولني”، ‏هو فيلسوف، مؤرخ، رحالة، مستشرق وسياسي فرنس” فى كتابه ”الرحالة”: “الفلاحون آلات مأجورة لا يترك لهم للمعاش إلا ما يقيهم الموت وما يحصدونه من أرز وحنطة يذهب إلى موائد أسيادهم ويحتفظون بالذرة لكى يصنعون منها خبزا”، هكذا ألقى “فولني” الضوء على حال فلاحينا، واصفا حياتهم أثناء عصر الدولة العثمانية والمماليك أنهم ليسوا إلا عاملين بأرضهم يزرعون وغيرهم يحصد ثمار جهدهم، وكان نظام الالتزام فى عصر الدولة العثمانية يحتم على الفلاحين حق الانتفاع فقط من أرضه وليس له الحق فى بيعها أو الشراء، يحصد من المحاصيل ما يكفى لقوت يومه فقط والباقى تحصده الدولة من ضرائب جميعها تجمع لصالح السلطان وحاشيته.
وفي يوم 23 يوليو لعام1952 م تحولت حياة كل المصريين خاصة الفلاح، فى ثورة كانت من أهم أهدافها ”العدالة الاجتماعية” التى أكد عليها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، عندما قضى على النظام الإقطاعى بعد الثورة، بإصدار قانون الاصلاح الزراعى، والذى قسم الأراضى على جميع الفلاحين المصريين، ليكون الفلاح المصرى مالكا لأرضه لأول مرة فى التاريخ بدون شريك، وقرر عبد الناصر فى 9 سبتمبر 1952 توزيع الأراضى على الفلاحين بعد الثورة، واعتبار ذلك اليوم عيداً لهم تكريما لإنسانيتهم وكرامتهم.
لقد كان الارتباط بالأرض قيمة، بل كان طين الأرض نفسه قيمة ورائحته قيمة، بحيث إن التفريط فى أى شىء من ذلك يساوى التفريط فى الشرف والكرامة، وكان الفلاح يأنف من بيع أرضه ويجده عيبا يستحق الخجل والتوارى من الناس، والآن لم تعد للأرض نفس القيمة والقدسية عند الفلاح المصرى فبيعها لم يعد عيبا كما كان, وهجرها وتجريفها وتبويرها والبناء فوقها أصبح شيئا مستحبا بل مرغوبا بشدة لديه، وربما يرجع ذلك لأن الأرض لم تعد تستر الفلاح أو تسد احتياجاته، بفعل السياسات الظالمة التى وقعت على كاهل هذا الإنسان البسيط.
نضف إلى ما سبق، أن النظرة إلى الفلاح منذ فترة طويلة، هي نظرة دونية لا تشجع أحدا على أن يكون فلاحا، على الرغم من عظمة هذه المهنة وأهميتها، وعلى الرغم من قدم الزراعة والفلاحة فى مصر أكثر من أى بلد آخر، إلا أن تطور هذه المهنة قد توقف فى مصر، فما زالت هى هى نفس الأساليب المتبعة من أيام الفراعنة، وما زالت هى هى نفس الوسائل البدائية وقطع الأرض الصغيرة التى لا تتجاوز عدة أفدنة، بل قد تقاس بالقراريط فى كثير من الأحيان، وما زالت سلعة الفلاح تشترى بأسعار زهيدة، كل هذا يكمن وراء ضعف انتماء الفلاح المصري لأرضه وضعف تمسكه بها , ورغبته فى هجرها.. مصادر متعددة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: