أخبار عاجلة
د‏.‏محمد السعيد إدريس

د‏.‏محمد السعيد إدريس يكتب… معارك كسب الحلفاء بين واشنطن وبكين

الزيارة التى قامت بها ويندى شيرمان نائبة وزير الخارجية الأمريكية للصين منذ نحو أسبوعين (25- 26/7/2021) أجابت على سؤال مهم كان قد طرحه الخبراء المهتمين بتحليل حالة الارتباك الأمريكية فى إدارة الصراع مع الصين يقول: هل مازال هناك بين واشنطن وبكين متسع لدبلوماسية “كيسنجرية”، أى هل مازالت “دبلوماسية الاحتواء” للصين ممكنة؟
 
كانت الإجابة هى “لا” لأسباب كثيرة بعضها يخص الصين نفسها وموقعها فى هذه الدبلوماسية بين عقد سبعينيات القرن الماضى الذى استطاع هنرى كيسنجر أن يستغله لمصلحة جذب الصين نحو الولايات المتحدة بعيدة عن الاتحاد السوفيتى. وقتها كان الصراع الأمريكى بالأساس مع الاتحاد السوفيتى وكانت هناك أزمة علاقات قوية بين الصين و”الأخ الأكبر” السوفيتى نالت كثيراً من الثقة بينهما، وهنا جاء توجه كيسنجر للتقارب مع الصين عبر وسائل ما يُعرف بـ “القوة الناعمة” الأمريكية للتغلغل إلى عمق العقل الاستراتيجى الصينى، ونجح كيسنجر فى استمالة الصين وتفكيك التحالف الروسى- الصينى ولو جزئياً وكان مردود ذلك مكاسب أمريكية صافية. الآن المواجهة باتت بين الصين نفسها مع الولايات المتحدة، ومن ثم ليست هناك من فرص أمريكية لاستمالة الصين، ربما تكون دبلوماسية كيسنجر تلك ممكنة، أو على الأقل محتملة مع روسيا، للحيلولة دون تأسيس تحالف روسى- صينى ضد الولايات المتحدة، وهذا ما نسميه «سياسة كسب الحلفاء” الذى تعطيه الولايات المتحدة الآن أولوية كبيرة فى صراعها مع الصين بالعمل على ثلاثة محاور؛ الأول تمتين التحالف الأمريكى التقليدى وبالتحديد “التحالف الأطلسى” بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى. الثانى: التوجه المباشر نحو جنوب شرق آسيا لتشكيل تحالف قوى يحيط بالصين ويحد من انطلاقها خارج الحدود للصراع مع الولايات المتحدة. والثالث: تفكيك تحالفات الصين وعلى الأخص التحالف المحتمل الصينى – الروسى، وفق ما يسميه الأمريكيون «الاحتواء» لروسيا من أجل تقوية “المواجهة” الأمريكية مع الصين. ومن أجل تحقيق تقدم على مسارى “الاحتواء” و”المواجهة” كان لابد للإدارة الأمريكية من البدء بترميم “البيت الأطلسى” الداخلى، واستعادة العلاقة مع أوروبا، واستنهاض حلف شمال الأطلسى (الناتو) على العكس من سياسة الرئيس السابق دونالد ترامب التى دمرت تلك العلاقات. هنا بالتحديد تتكشف إلى أى مدى تعتبر تحالفات الدولة، أى دولة، أحد أهم مصادر “القوة الكلية” للدولة. فإذا كان خبراء العلاقات الدولية يتحدثون عن ثلاثة أنواع من القوة تستخدم فى إعلاء شأن مكانة الدولة وتقوية قدراتها على الصراع والمواجهة وكسب المعارك هى: “القوة الصلبة” أو “الخشنة” من قدرات عسكرية واقتصادية، و”القوة الناعمة” من ثقافة وتكنولوجيا ورياضة ومعرفة وإعلام، ثم “القوة الذكية” التى تعنى المزج الذكى بين القوة الخشنة والقوة الناعمة فى إدارة المعارك والصراعات، فإن التحالفات التى يكون فى مقدور الدولة تأسيسها مع قوى دولية وإقليمية تعد من أهم مصادر القوة للدولة. هذا يدفعنا إلى الميل للاعتقاد بأن الولايات المتحدة والصين تخوضان ضد بعضهما البعض سياسة “مواجهة” وسياسة “احتواء” فى آن واحد، وهذا ما أكدته محصلة الزيارة الأخيرة التى قامت بها ويندى شيرمان التى تحتل المركز الثانى مباشرة فى وزارة الخارجية الأمريكية للصين، وما أكدته تصريحات وزير الخارجية الأمريكى انتونى بلينكن ضمن اللقاء المهم الذى جرى مع كبار المسئولين عن السياسة الخارجية الصينية فى مارس الماضى (لقاء ألاسكا)، وردود فعل الطرف الصينى. ذهاب ويندى شيرمان نائبة وزير الخارجية الأمريكية إلى الصين فى هذه الظروف يعد حرصاً على الالتزام بسياسة “الاحتواء” مع الصين. فعندما ذهب الرئيس الأمريكى جو بايدن إلى أوروبا فى أول زيارة له فى يونيو الماضى والقمم الثلاث التى عقدها فى بروكسل مع قادة “مجموعة الدول السبع الكبرى” ثم القمة الأمريكية- الأوروبية، وبعدها قمة حلف شمال الأطلسى. قبل أيام معدودة من انعقاد قمة بايدن مع الرئيس الروسى فلاديمير بوتين فى جنيف (16/6/2021) كان يستهدف تحقيق ثلاثة أهداف كشفتها صحيفة “نيويورك تايمز” نقلاً عن مراكز صنع القرار الأمريكى هى: إقناع الحلفاء الأوروبيين بأن أمريكا عائدة لممارسة دورها القيادى العالمى، وحشد الحلفاء خلف التوجهات الأمريكية لاحتواء صعود الصين، ثم تنظيم العلاقة مع روسيا ضمن إطار وضع خطوط حمراء أمام الرئيس الروسى فلاديمير بوتين وتوظيف السياسة الأوروبية فى هذا الاتجاه من خلال الجمع بين الضغوط ضد روسيا، والإغراء لروسيا على أمل جذبها بعيداً عن التحالف مع الصين. المراقبون الأمريكيون لم يكونوا متفائلين بنجاحات الرئيس الأمريكى ضمن هذه المعادلة مع الأوروبيين الذين لهم مصالحهم الاقتصادية الضخمة مع الصين وهذه مصالح تتنامى يوماً بعد يوم مع الصعود الاقتصادى الصينى المتواصل، ولهم أزماتهم مع أمريكا، خاصة مع إدراكهم أن الرئيس الأمريكى لم يذهب للقاء بوتين من منطلق الصراع بل من منطلق الاحتواء الذى يتحفظون عليه لتفاقم الخلافات الأوروبية- الروسية. يدعم هذا الاستنتاج ما خلص إليه جوسى هانهيماكى أستاذ التاريخ الدولى والسياسة فى المعهد العالى للدراسات الدولية والإنمائية فى جنيف (فنلندى الجنسية) فى مؤلفه الجديد بعنوان “السلام عبر الأطلسى” الذى يقول فيه إن “مفهوم مجتمع غربى موحد عبر الأطلسى أصبح من الماضى”، وتساؤله: “هل إنتهى الغرب كفكرة”؟ تساؤل مهم يثير التشكك فى جدية التعويل الأمريكى على التحالف مع أوروبا ضد الصين .
 
هذه التساؤلات تكفى للدلالة على هشاشة الركون الأمريكى لتحالف مع أوروبا ضد الصين ضمن مفهوم “الغرب الموحد”، يبقى أن نتساءل هنا عن مدى قوة التحالفات التى تؤسسها واشنطن فى جنوب شرق آسيا خاصة ما يُعرف بـ “مجموعة الحوار الأمنى الرباعى” التى تضم الولايات المتحدة واليابان واستراليا والهند بهدف احتواء الصين ، خصوصاً أن الصين تسعى بدأب ليس فقط لاختراق هذا التحالف بل تتوسع هى الأخرى لتأسيس تحالفات مضادة، تعتبر روسيا والهند من أبرز مواقع الصدام الصينى مع الولايات المتحدة . فمن منهما سيفوز بالتحدى فى آسيا التى تحولت إلى قلب للصراع الدولى فى معادلاته الجديدة ، سؤال فى حاجة إلى مزيد من التحليل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *