للنجاح بعد الأربعين طعماً أخر

لم يكن باولو كويلو انساناً ناجحاً فى بدايه حياته , ولم يكن شخصاً مميزاً أو ملفتاً للانتباه بل كان مجرد فرد بين أفراد كثيرة تسعى للنجاح لكنها لا تجده ولم يحالفها الحظ . لكن كويلو لم يهدأ ولم يستسلم بل حاول البحث عن النجاح حتى وجده وتحول من مجرد شخص عادى إلى واحد من أشهر الأدباء بالعالم . 

نشأه كويلو

ولد كويلو فى قريه ” ريو دى جانيرو ” بالبرازيل عام 1947م فى اسرة متوسطة الحال لأب يعمل مهندس وأم ربه منزل , ظهر حب القراءة على كويلو منذ كان طفلاً بالمدرسة حيث كان ضيفاً دائماً على مسابقات الشعر والأدب التى تنظمها المدرسة وكان دائماً يحصد الجوائز , كبر كويلو وكبر بداخله حب الكتابه لكن والداه كان لهم رأى أخر فقد أراد الأب أن يصبح ” كويلو ” الابن مهندساً مثله لكن كويلو اعترض بشده ودخل فى حاله من التمرد دفعت والداه لأن يضعانه فى مستشفى خاص للأمراض العقليه !!! .. نعم فقد رأى والداه أن رغبه ابنهم فى أن يكون كاتباً أو روائياً ضرباً من الجنون وكان كويلو فى كل مرة يدخلونه فيها الى المشفى وبالمناسبه فقد أدخله والده المصحة ثلاث مرات كان كويلو فى كل مرة يعدهم أن يبتعد عن الكتابه وأن يكون مثل والده لكن ما إن يخرج كويلو من المصحة حتى ينسى وعده لهم ويعود للكتابه مرة أخرى ولتأليف المسرحيات التى يرى والداه الكاثوليكيان أنها ” بؤرة للفساد والانحلال ” ولم يكن هذا رأيهم فقط بل كان رأى الطبقه المتوسطة التى ينتمى إليها كويلو,  ثم يقوم والده بايداعه بالمصحة مرة أخرى التى تعرض فيها للصعق بالكهرباء كنوع من أنواع العلاج , ولم ينتهى الأمر إلا بعد أن ذهب به والداه إلى الطبيب النفسى الذى أكد لهم أن ابنهم سليم تماماً وليس مجنوناً كما يظنون لكنه طلب منهم أن يدعوه يواجه الحياه كما يريد , الغريب أن كويلو لم يحقد على اهله ولم يكرههم بعد أن أدخلوه المصحه لظنهم أنه مجنون لكنه قال ” أبدًا لم أنظر إلى نفسي كضحية. وضعني أهلي في المصحه بدافع حبهم لي لم يتمكَّنوا من فهم اختلافي فنعتوني بالجنون وجنوني هذا كان مطيَّتي إلى الحريه “.

الحياه تبدأ مرة أخرى : 

كويلو لم يؤمن بالفشل أبداً فكما قال هو بنفسه “إذا أردنا شيئاً ما فيتأمر الكون ليساعدنا على نيله ” , وبالفعل بدأ كويلو الذى قرر بعد ان اقتنع والداه أخيراً أن يتركوه يعيش حياته بالشكل الذى يريده أن يسعى لحلمه بأن يصبح كاتباً وبالفعل بدأ كويلو العمل ككاتب مسرحيات ومؤلف أغانى ومخرج مسرحى وصحفى , كانت رحلته فى الحياه متعثرة فالنجاح لم يحالفه بسرعه على العكس فقد تأخر كثيراً .

عن بلوغ كويلو السادسة والعشرين قرر  أن يكون شخصاً سوياً وبالفعل حصل على وظيفه بشركة تسجيلات وهناك التقى بامرأة وتزوج منها , بعد فترة قرر أن يترك البرازيل ويرحل للندن برفقه زوجته وبدأ العمل بالكتابه لكنه لم يحقق أى نجاح ولو بسيط فعاد مرة أخرى للبرازيل وعمل مديراً لشركة تسجيلات أخرى لكنه لم يستمر فيها طويلاً فقد انفصل عن زوجته فى هذه الفترة ثم ترك العمل بالشركة بعد ثلاث اشهر .

أثناء هذه الفترة عمل كويلو فى مجال الكتابه أيضاً لكن لم يحالفه الحظ مرة أخرى وفى عام 1979م التقى بصديقه قديمه له تدعى ” كريستينا أوبتنشيكا ” تزوج منها ولا زالت زوجته حتى الأن .

بدايته مع الكتابه : 

فى عام 1986م ذهب كويلو فى رحله الحج سيراً برفقه صديق له إلى الكاتدرائية الكبيرة فى ” سانتياجو دى كومبو ستيلا ” شمال أسبانيا وهى الرحله التى يقوم بها المسيحيون منذ القرون الوسطى يقول كويلو أنه استعاد إيمانه الروحى ككاثوليكى بعد رحلته  , وقرر أن يبدأ من جديد حيث قال لنفسه أنه اليوم أصبح فى التاسعه والثلاثين من عمره وهو يريد أن يصبح كاتباُ وعليه أن يسعى لتحقيق حلمه قال أنه ربما فاته قطار العمر كما يقولون لكن عليه أن يسعى لحلمه وقد كان , بعد عودته من الحج قام كويلو بتأليف كتابه الأول ” الحج ” والذى كان له إسماً جانبياً هو ” يوميات ساحر ” .

كان الكتاب الثانى لكويلو والذى حمل اسم ” الخيميائى ” هو البدايه الحقيقه له فقد تحدث فى الروايه عن زيارته لمصر التى قال أنه أنها زيارة أثرت فيه كثيراً خصوصاً زيارته للصحراء التى تعرف عليها فى المرة الأولى عند زيارته للمغرب لكنه انبهر بما شاهده فى الصحراء المصريه عندما زار الأهرامات يقول أنه شعر بنفس الشعور الذى اعتراه حينما ذهب فى رحله الحج , يقول أنه طلب من صديقه الذى كان يرافقه أن يتلو شيئاً من الصلاه فقال صديقه آيه رائعه فيما معناها ” يارب إن حدت عن الدرب المستقيمه أعدنى إليها ” وعاد كويلو من رحلته من مصر وبدأ فى كتابه الكتاب الثانى له ” الخيميائى ” والذى وضع له عنواناً جانبياً أخر هو ” ساحر الصحراء ” كان هذا الكتاب ” وش السعد ” على كويلو كما يقولون فقد حقق الكتاب نسبه مبيعات فاقت الخيال حتى أن كويلو نفسه لم يصدقها فالكتاب فى بدايه الأمر باع 900 نسخة فقط وأعاد له الناشر باقى النسخ وقتها تذكر الأيه التى سمعها من صديقه أمام الأهرامات وبدأ فى تلاوتها مرة أخرى ” يارب إن حدت عن الدرب المستقيمه فأعدنى ” بعدها قرر أن يبحث عن ناشر جديد للروايه واعتبر أن إصراره على نشر الروايه مرة أخرى هو الدرب المستقيم الذى عاد إليه وبالفعل وجد ناشراً جديداً قام بإعادة طباعه الكتاب وتوزيعه ليحتل الكتاب بعدها قائمه أعلى المبيعات فى القرن العشرين بأكمله بعد ان ترجم إلى 62 لغه مختلفه وحقق المركز الأول للمبيعات فى أكثر من 18 دوله وبيع منها ما يقرب من 30 مليون نسخة فى 150 دوله فى العالم ليتحول كويلو بعدها من مجرد شخص عادى لا يشعر أحد بوجوده ولا حتى نفسه إلى واحد من أشهر الأدباء العالميين .

وألف كويلو كتباً عديدة بعدها منها ” فيرونيكا تقرر أن تموت , الفائز يبقى وحيداً , ساحرة بورتوبيللو , على نهر بيدرا جلست وبكيت , إحدى عشر دقيقه ” وغيرها من الروايات التى ترجم كثير منها إلى العربي , وحققت كل هذه الروايات والكتب نجاحاً مبهراً لكن تبقى ” الخيميائى ” ظاهرة فريدة من نوعها وكان أول من ترجمها للعربيه ” بهاء طاهر ” .

تأثره بالكتاب الغربيين :

يحتل جبران خليل جبران مكانه خاصه لدى كويلو الذى يرى أنه رجل حكيم جداً , كما قام بترجمه خطاباته مع ” مارى هاسكل ” وأعاد طباعتها ونشرها فى دول كثيرة ويرى كويلو أنه على قدر الحكمة التى تكاد تنطق من سطور جبران على قدر ضعفه الذى وضح فى رسائله لمارى ويرى كويلو انه على الكاتب إن أراد أن يكون ناجحاً أن يقبل نفسه كما هى بضعفها وقوتها , كما أنه تأثر بالكاتب الأرجنتينى ” بورخيس ” والكاتب الامريكى  ” هنرى ميللر ” والكاتب البرازيى ” جورج أمادو ” كما انه حكى كثيراً عن تاثره الشديد بروايات ألف ليله وليله .

انفتاح كويلو على الثقافات العربية  :

كان كويلو شخصاً منفتحاً على كل الثقافات والأديان كما أنه مثال رائع لاحترام الأديان وحقوق الإنسان حتى وان اختلف معه فى الجنس أو الديانه , فقد شن كويلو هجوماً شديداً على صانعى الرسوم المسيئة للرسول الكريم وأعلن أنه ضد كل الممارسات التى يقوم بها البعض للانتقاص من الأديان السماويه , كما أعلن عن عدم رضاه عن الحرب الأمريكيه على العراق وخرج فى مظاهرات عديده أعلن فيها رفضه للاعتداء على حريات الشعوب وحقوقها .

النجاح اختيار والفشل اختيار :

الجميل فى كتابات كويلو أنه منفتح على كل الثقافات كما أن أغلب رواياته تحمل معنى روحى يستطيع أى شخص عادى أن يطبقه على نفسه كما أن كويلو يعتمد على أحداث ووقائع حقيقه وهو ما يضفى على رواياته مذاقاً خاصاً يستطيع القارىء أن يشعر به عند قراءته لسطور كويلو , كويلو يمتلك أسلوباً سلساً وبسيطاً يجبرك أن لا تترك كتبه وأنت تقرأها إلا إن كنت مضطراً لهذا .

” عندما تريد شيئاً ما فإن الكون بأسره يتضافر ليوفر لك تحقيق رغبتك ” وهكذا كانت حياه المحارب كما أطلق عليه محبوه , المحارب الذى لم يستسلم للفشل الذى عانى منه فى بدايه حياته ولم يخطر بباله لحظه أن يتوقف عن حلمه , كما أثبت أن النجاح لا يرتبط بالضرورة مع عمر الانسان فالنجاح الحقيقى لكويلو بدأ وهو على مشارف الأربعين من عمره , كويلو الذى قال ” أنا ككل الأخرين : أنظر للعالم كما أتمنى أن يكون وليس كما تجرى الأمور فى الواقع ” أثبت ببساطة أن النجاح اختيار والفشل اختيار وأن الإنسان قادر على السير فى الطريق الذى يريده .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *