الكاذبون ينسون كذبهم

الذين استمرأوا الكذب يجدونه جزءاً من خواصهم الجينية وجزءاً من أجهزة تنفسهم أيضاً. أولئك لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكونوا بشراً. البشر الذين لا يستغنون عن كذبهم كي يعيشوا ويهيمنوا ويستولوا على ما ليس لهم حق فيه، لا يمكن أن تكون لهم ذرة علاقة بالبشر. إنهم خارج سياق تلك المخلوقات وخارج سياق ما يمكن أن يدل عليها.

في السياسة تواجه تلك الموجات المتعاقبة من الكذب كلما دخلت أمة لعنت أختها. السياسة من أول مرتكزاتها الكذب. يتم التجمل في الأمر فيقال: تحفظ ومناورة وتجنب. المؤدى النهائي والعنوان والمضمون أيضاً: الكذب.

في الاقتصاد الكذب لزوم ما لا يلزم وخصوصاً حين ينكشف الستر الذي كان عصياً على الكشف. الأرقام لا تقل أهمية وخطورة عن معلومات وخرائط الأمن القومي لأية أمة. لكن بالنسبة إلينا هي أكبر من ذلك بكثير. الكذب في الأرقام يجعل صورتنا أمام الأمم التي تتسول المعونات أبعد بمراحل من أربعة آلاف ليلة وليلة وليس ألف ليلة وليلة. تجعل صورتنا أيضاً أمام الذين لا تكف حناجرهم عن الاحتجاج يأخذون قسطاً من الراحة ريثما يراجعون حقيقة وأساس تلك الأرقام.

حتى لو اكتشفوا وتداركوا الكذبة تلك تكون وسائل الإعلام حددت مكاناً لنا بين الكبار ولو كانت الخزائن يتم التعاقب عليها بالأدوار سرقة وتصفية!

في الدِّين يتصدى لأمور الدين بعض الرجال الباحثين عن تجارة ووجاهة وبحثاً عن حضور، لا يخلون أيضاً من كذب مضاعف يحرصون عليه حرصهم على صورتهم بين الناس والأمكنة والمجتمعات التي يتحركون فيها. ثمة من يجد في الدين فرصة لإطلاق كل مواهب انحرافه واستغلاله وأمراضه على حساب الذين حظهم في التمييز يكاد يكون من دون حظ أساساً. يجد أولئك الكذابون في تلك البيئة قدرتهم على التحدث باسم الله وضمن رؤى تؤدي بهم إلى تحقيق منافع لا قيمة لهم من دونها. إنه الكذب الذي يعتاشون عليه.

وفي الاجتماع من حولنا. في تفاصيل ذلك الاجتماع لا يقوم أود جانب من حياة بعضهم من دون الكذب. الكذب مدخل وتعريف وبطاقة دخول إلى عالم يطلب منك تعريف نفسك فيما هو غارق في مجهول نفسه بكذب لا ينقطع. كذب بات ضرورة بالنسبة إليه ومن دونه يفقد طرقه ومؤشرات وصوله أو ما يؤدي إلى وصوله. مأساة أن يكون الكذب طريقة حياة. وأكثر مأساة حين يكون ضرورة من دونه ترتبك حياة ونظم. ولا أدري كيف لحياة ونظم أن تستقيم بخلل؟

في الكتابة، وباعتبارها أحياناً مهنة من لا مهنة له في عالم مضطرب يبحث بعض الفاشلين فيه عن مكان ولو تحت مستنقع لا تحت الشمس، يصبح الكذب لغة أخرى خارج اللغة التي بها يتم صوغ موقف أو اصطفاف أو تحريض أو حياد أو انحياز أو حتى غياب! كذب يجمّل واقعاً قبيحاً ويتآمر على أبسط حق للإنسان في أن يكون صادقاً في توجهه وخياراته وسخطه ورضاه ودعائه ولعناته وكل تناقضات الدنيا من حوله. أن يتم كل ذلك بخياره لا بخيار من يفرض عليه ذلك كذباً وتشويهاً لما يريده وتزييناً وتسويقاً لما يأنفه ويأباه. إنه الكذب الذي يمثل الدرع التي تقي أصحابها مواجهة وهم يظلون على التصاق به ولا غنى عنه.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *