ما زلت أرى أن التكامل السياسي والاقتصادي ضرورة لمواجهة التحديات التي تهدد العرب، بل هو خيار لا بديل له لإفشال خطط تقسيم العالم العربي ومحاولات تغيير الهوية، التي أضحت تُمارس على الملأ من أطراف إقليمية ودولية ضد كل ما هو عربي مسلم. وقد انتهز البعض حادث التدافع الذي وقع خلال موسم الحج الأخير لتوظيفه سياسياً، ولم يكن هذا إلا واحداً من أشكال التآمر على الأمة العربية والإسلامية، خصوصاً السعودية التي تعدّ ومصر صمام الأمان والاستقرار لأمن العالم العربي القومي.
ولهذا، كان من الضروري الحديث عن نظرية المجال الحيوي لأنها توضح حتمية حماية المصالح العربية، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
ويعتقد كثر أن مفهوم المجال الحيوي ينحصر في الجانب العسكري ويرتبط بالمساحة الجغرافية، باعتباره نوعاً من الامتداد المكاني للحفاظ على المصالح من خلال إعمال القوة القومية للدولة. وهنا ظهرت خلال الحكم النازي إبان الحرب العالمية الثانية، نظرية المجال الحيوي التي تعني حاجة الدولة إلى مساحة أوسع كلما زاد نموها وعظمت قوتها. وقال منتقدو هذه النظرية في حينه، أنها ذات أطماع استعمارية لأنها تبرر توسّع الدول الكبرى على حساب الدول الأخرى لتأمين حاجات شعبها، من دون النظر إلى حاجات الشعوب في هذه الدول.
وبعد إنشاء الدولة العبرية عام 1948، كانت إسرائيل نموذجاً لتطبيق الفكر التوسعي في نظرية المجال الحيوي. ومع مرور الزمن، ثبت أن هذه النظرية لم تعد تقبل بمعناها التوسعي، لكن كان لا بد من إعادة تفسيرها لتناسب المتغيرات الإقليمية والدولية في القرن الحادي والعشرين. ويعتبر الاتحاد الأوروبي نموذجاً لنظرية المجال الحيوي في العصر الحالي، لجهة الربط بين المصالح المشتركة وتوحيد السياسات، بخاصة الاقتصادية، مع الحفاظ على سيادة أعضائه واستقلالهم.
وهكذا خرجت فكرة المجال الحيوي من نطاق الفهم العسكري إلى نطاق التطبيق السياسي والاقتصادي لها، ومن ثم اختلفت المجالات الحيوية للدول وفقاً لمصالحها، واتضح ذلك بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي في أوائل التسعينات، عندما أصبح العالم يقع ضمن المجال الحيوي للولايات المتحدة الأميركية، التي تقوم بأداء دور الشرطي الرقيب على الدول الأخرى، وتتحدد سياستها تجاهها وفق مصالح واشنطن مع هذه الدولة أو تلك. من هنا، تطور مفهوم نظرية المجال الحيوي وتطورت أدوات التنفيذ، وأصبحت الأدوات الجديدة يظهر فيها وجه الإنسانية والديموقراطية وحقوق الإنسان والأطفال والنساء والسجناء. وهكذا، منظومة طويلة من الحقوق تقوم على رأسها جمعيات تحت السيطرة، حتى أصبحت سيادة الدولة بالمعنى الحقيقي غير موجودة فعلاً، وأصبح معنى السيادة أن تربط مصلحة بلدك مع مصلحة دولة كبرى، إذ أصبحت هذه الدول شراً لا بد منه والحكيم من يخرج بأقل الخسائر.
والسؤال البديهي: أين العرب من نظرية المجال الحيوي في إطارها الحديث؟ لا بد من تأكيد أن المنطقة لا تشمل العرب وحدهم، فهناك ثلاث قوى إقليمية متربصة: إيران وتركيا وإسرائيل، ولا بد من احتشاد عربي في مواجهة تلك القوى التي ترى مجالات حيوية لها لا شك في أنها تتقاطع مع مجال الدول العربية الحيوي، سواء كلّ منها على حدة أو مجتمعة. ومن الطبيعي أن التعاطي مع هذه القوى الإقليمية بوضع عربي يُسمى (فَرِّق تَسُد) أمر ليس في صالح العرب أجمعين. فكلما توحدت الرؤى وتكاملت المصالح بين الدول العربية، كلما أمكن الحديث عن وجود مجال حيوي قوي للعالم العربي يجبر القوى الثلاث على التراجع عن تهديد المصالح العربية. ومثال ذلك: ما كانت إسرائيل تجرؤ على اقتحام الحرم القدسي الشريف إلا عندما تيقنت من الضعف العربي، وما كانت إيران تجرؤ على استمرار احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث إلا عندما تيقنت من أن الفعل العربي لن يطاول أطماعها، وما كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يجرؤ على مهاجمة النظم العربية إلا بعد ما تيقن من أنه ليس هناك من يردعه. وهنا لا بد من التوقف أمام التنظيم العربي الإقليمي المنوط به تنسيق العمل العربي المشترك وتنسيقه، وهو الجامعة العربية، ونرى أنه قد أصابها العجز والضعف لأسباب عدة، ليس هنا مجال شرحها. لكن ما نتصوّره هو إعادة هيكلة الجامعة العربية لتعود إلى شبابها ومنعتها مرة أخرى، لأنها المجمع للقوة العربية والمحفز على خلق المجال الحيوي للأمة العربية.
فهل يمكن استعادة القوة العربية وتحجيم سياسات الغطرسة لقوى إقليمية جامحة بتفعيل المجال الحيوي للمصالح العربية على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية؟ هل يمكن احتواء مشكلات المنطقة ونزاعاتها عربياً؟
أعتقد أنه في الإمكان إذا خلُصت النيات واعتبرت الشعوب العربية نفسها أمة واحدة وأصبحت كلمة واحدة، عندها نقول إن لدينا مصالح مشتركة ومجالاً حيوياً واحداً.
جريدة أحوال مصر
