ابراهيم الصياد

ابراهيم الصياد يكتب… سر تراجع النكته السياسية ؟

تعتبر النكته وسيلة من وسائل التعبير للدلالة الرمزية بشكل ساخر على حدث أو شخص مسكوت عنه وقد أُستخدمت – بلغة السياسة – لمعرفة مايدور في العقل الجمعي تجاه قضية ما حتى ولو كان رمزا أو تورية!
وكما تعلمنا في قواعد اللغه العربيه أن التورية تحمل كلمة أو جملة أحدهما أقرب إلى الذهن لكنه غير المقصود، والثاني بعيدا إذ أنه المقصود.
وقد تكون الغاية منها إثارة الذهن، أو الهروب من المساءلة القانونية.
مثال ذلك، ما حصل بين الشاعرين الكبيرين حافظ إبراهيم وأحمد شوقي ففي ليلة باردة قال الشاعر حافظ إبراهيم للشاعر أحمد شوقي وهو يشاكسه ويلاطفه:
▪️يقولون إن الشوق نار ولوعة فما بال شوقي أصبح اليوم باردًا
فما كان من الشاعر أحمد شوقي إلا أن رد عليه قائلا:
▪️وأودعت إنساناً وكلباً أمانةً فضيعها الإنسان والكلب حافظ!
وقد استعارت النكته من هذا الأسلوب جوانب عديده وقال وزير الثقافة المصري الأسبق شاكر عبد الحميد – عليه رحمة الله- ”إن الحكومات في العالم العربي استخدمت النكتة السياسية وروجوها لتحقيق أهداف بعينها، منها إلهاء الناس عن مشاكلها الإجتماعية ومنها تحقيق غرض التنفيس وأحيانا لتحجيم المعارضة ! “
وأضيف على ما تقدم أني أتذكر كان الرئيس جمال عبد الناصر يلجأ إلى معرفة النكات المنتشرة بين الناس ليقف على المشكلات المجتمعية و بعد تحليل مضمونها يسعى إلى وضع حلول لهذه المشكلات !
وكان هذا الأسلوب أفضل كثيرا من تقارير الرأي العام التي تعرض عليه وغالبا ما كانت تصاغ من خلال وجهة نظر أمنيه !
وترتبط النكتة سياسيا واقتصاديا واحتماعيا بثقافة الشعوب أي أنها تحمل بين طياتها نوعاً من الخصوصية بمعنى أن كل ثقافة لها نكاتها الخاصة بها وإذا عبرت عن مجتمع ما قد لا تعبر بالضرورة عن بقية المجتمعات الأخرى !
وفي تصوري أن دور النكتة تراجع وجوده خاصة السياسية في ظل الثورة الإتصالية منذ بداية التسعينات من القرن الماضي!
فما هو سر اختفاء النكات السياسية أو على الأقل تراجعت ؟
بعد أن انتشرت مواقع التواصل الإجتماعي حلت محل النكتة وأصبحت مجالا ( للتنفيس ) الطبيعي عما يدور في الأذهان من أفكار تتراوح بين الإلحاح والكبت أو Vent Suppression بل دعونا نقول إنها التعبير الديموقراطي عن الرأي والرأي الآخر !
وأعتقد أن هذه المواقع تعد أكثر حرية ومرونة من كثير من الأحزاب والتنظيمات السياسية التي توائم بين المواقف !
ورغم ذلك يظل من أهم التحفظات على مواقع التواصل الإجتماعي أنها مازالت بلا إطار قانوني أو أخلاقي ولهذا تستخدم غالبا في غير الغرض منها مثل ترويج الأخبار الكاذبة أو الشائعات Rumors وهو في اعتقادي عيب جسيم للإعلام الإجتماعي أو Social Media !
وإذا كانت الشائعة خبرا كاذبا له ظل من الحقيقة فإن النكته السياسية كانت في أغلب الأحيان تعبر عن مشكلة حقيقية وكانت من النادر أن تعبر عن اخبار غير صحيحة أو Fake News
لأنها في مجملها تعبير رمزي عن وقائع تمت بالفعل ولا تتعدى النكته الفعل الحاضر إلى المستقبل بينما الشائعة تتعامل مع كل الأزمنة ماضي وحاضر ومستقبل !
إذن لم تختفي النكتة من مواقع التواصل غير انه
نلاحظ في عصرنا هذا وظفتها ما تسمى الكتائب الإليكترونية المناهضة لأي نظام سياسي للترويج المعادي على مواقع التواصل لتحقيق أغراض بعينها مثل تشويه شخصية ما أو السخرية من موقف معين وهو عكس الغرض الذي كانت تسعى له النكته في الماضي قبل ميتاڤيرس وفيسبوك وتويتر !
في الماضي كانت النكتة السياسية ترجمة لمواقف حياتية بشكل رمزي وأُستخدمت للمساعدة على تحمل تأثير الأزمات وليس من قبيل المبالغة القول إنه لولاها ما أمكن أن تتخطاها الشعوب وأوضح مثال كيف تعامل المصريون مع نكسة عام ١٩٦٧ فقد استخدموا النكته للتخفيف والتنفيس وتخطي آثار العدوان !
طبيعي مازلنا نعاني اليوم من أزمات ومشكلات حياتيه يومية لكن الملحوظ أن الابتسامه إختفت وتوارت النكته إلى حد كبير !
والسؤال هل هناك علاقة بين إزدياد درجة الإحباط الجمعي وتراجع دور النكته ؟ ما يعني أن مواقع التواصل الإجتماعي فشلت في أن تؤدي الوظيفة التي كانت تقوم بها النكته من قبل
إن الإجابة على السؤال ليست سهلة وأعتقد أن دور النكته السياسي والإجتماعي في عصر الثورة الإتصالية يحتاج إلى المزيد من الدراسات العلمية المتعمقة في أبعاد الظاهرة وتلك قضية أخرى !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: