د. مجدي العفيفي

د.مجدي العفيفي يكتب… ولا تزال البقية تتجلى عليها..!

اغتصبتها الدنيا كثيرا.. فكانت تقاوم بشق النفس.. راودتها الأيام عن نفسها.. فكانت تستجيب إلا قليلا..

تقاذفتها الأيام على أمواجها..
تبادلتها الليالي ليلة إثر ليلة.. كانت ترتدي الأقنعة.. وتختفي ولا تكاد تبين.. ومضى بها قطار العمر محطة إثر محطة.. تعب القطار وما تعبت.. يممت عمرها شطر النصف الآخر.. فأعلنت عليها شمس العمر احمرارها، فأسدلت خيوطها الصفراء..

كبرت أمامها علامة (انتباه).. فتنبهت وانتبهت.. وإذا الفجر تطل عيونه في عيونها نذيرا ثم بشيرا..
وما بين “الشرارة” و”الإشارة” و”البشارة” راحت تعيش من العمر مرحلة التعويض والتفويض، وتمارس الاختصار والانتظار.. انتظار ما يجييء وما لا يجييء..

هبطت على قلبها أشعة من المحل الأرفع، عوضا عما أهدرته من العمر والفكر وما أخذته السنون..
فوضت الأمر.. إلا قليلا.

راحت تمارس ثقافة الأسئلة.. تريد لمصباح روحها أن يشتعل.. لعله يتوهج.. لا ترضى بالإجابات الجاهزة، ولا ترتضى بالحلول المعلبة..

راحت تقرأ.. تحاور.. تجادل.. حتى ولو على طريقة لا بد من لمس النار لتتأكد أنها نار.. لعلها تجد على النار هدى..!

سطع في قلبها هذا المشهد الذي صوره «جلال الدين الرومي»

«خذ هذه اللحظة إلى قلبك..
وعندما ستغادرك
ستظل تبحث عنها طويلاً
كما لو أنها تختفي
مع مئات المصابيح والعيون.
فاللحظة الكونية هي كل هذا العشق
والانتماء الكوني وحضور الذات،
إن ضيعتها ضاع منك الإنسان».

قرأت وسمعت وأنصتت.. لكن قلبها لم يخفق كثيرا لتلك الصيغ المحفوظة والمألوفة، والتي فقدت بريقها من جراء تداولها واستهلاكها، في محلها وفي غير محلها.

عزفت عن التمذهب.. فكل إنسان طائره في عنقه.. وبنفس قوة “العزف عن” الموروث والسائد والمألوف، تجلت قوة “العزف على” وتر الروح، بومضة توهج بها القلب..

ألقت بنفسها ونفيسها في المحيط الذي لا يعرف الا السباحة، والتسبيح والحركة.. لم تعد الدنيا تساوي عندها ما كانت تساويه بالأمس.. تساوي لديها التبر والتراب..

كل شيء لديها أصبح له معنى آخر.. إنها مشغولة بالماوراء.. والماوراء عالم ليس له حدود.. ولا قيود.. تريد أن تخترق حتى لو تحترق…

أصبحت تشعر بالأمان، والأمان قيمة عزيزة على النفس، في هذا الزمن الذي يعز فيه الأمان.. من النقيض إلى النقيض.. من الخواء إلى الفيضان.. من القحط إلى الثراء.. من العطش إلى الرواء.. من ثرثرة الايام إلى الصمت المتفجر كالزلزال..

هبت عليها نسائم من حمم البراكين المادية والجدلية المتوحشة.. تجليات الأمان في تنزلات الإيمان.. نعم الأمان في الإيمان.. والإيمان كتاب مفتوح.. وكل شيء أحصاه الله كتابا…
إنها الومضة.. ومضة.. ومضتان.. ثلاث ومضات …

ولا تزال البقية تتجلى لها و… عليها!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *