البساطة فطرتنا

أفسدت السياسة أرواحنا وأخلاقنا، وبالتالي طال ذلك كل بسيط وعفوي وفطري ومباشر في داخلنا. في تحياتنا وقبلاتنا وتواصلنا وقدرتنا على الصبر والحلم والأناة وضيق هامش العذر وانتهائه أو يكاد. أفسدت حياتنا صور وقيم وممارسات العالم الراهن، الذاهب في عقده وغموضه، رغم مقولات «القرية الكونية» و«عولمة المعرفة» وهيمنة وسائل التواصل والاتصال على مجمل علاقاتنا وتنظيمها أو تدميرها في الوقت نفسه. كل ذلك أخذنا إلى مزيد من حالات التوحد في البيت والعمل وفي كل صور وأشكال علاقاتنا. حاضرون في الهيئات والأشكال؛ ولكننا مفصولون عمن حولنا وعما يحيط بنا.

نحن بحاجة إلى صناعة الأشياء البسيطة التي تكرس بساطة الحياة وتحض عليها، وما يجب أن تكون عليه تلك الحياة من حولنا. ثم إنه ليس كل بسيط ساذج وغير مؤثر. البساطة هي التي تجعل العالم اليوم في مأمن من أمراضه، وفي مأمن من توتره. كل الحروب والفتن في الدنيا كانت نتاج عقد وأمراض. وكل حالات الوئام والسلم كانت نتاج البساطة في العلاقات، والبساطة في التعامل مع الحياة. هي ذاتها الفطرة.

البساطة لا تأتي ولا توجد إلا من انحياز الإنسان ونزوعه إلى الفطرة. الفطرة هي البساطة. أو يمكن القول:البساطة انعكاس لها. وحين أقول، نحن بحاجة إلى صناعة الأشياء البسيطة، لا أعني بالضرورة صناعة آلات وأدوات يمكن استيعابها، والتحكم فيها لخدمتنا وترفيهنا؛ بل أذهب أبعد من ذلك؛ بإعادة تدوير وصناعة أخلاق وقيم كانت حاضرة ومهيمنة وتقود حركة الحياة من حولنا. لا أتحدث عن قرون خلت وعشرات العقود مضت. أتحدث عن عقود ثلاثة، تزيد أو تنقص. كان الإنسان البحريني خصوصاً، والخليجي عموماً، رغم انفتاحه على كل تحولات وتغيرات العالم من حوله، أكثر انفتاحاً وتشبثاً بقيمه وأخلاقه وأصالته وبساطته في علاقاته مع من يعرف ومن لا يعرف، القريب منه والبعيد. أسس تلك القيم والأخلاق والأصالة ثابتة في عناوينها ومضامينها، وإن بدت متحركة في الوسط الذي ينتمي إليه وعلى ارتباط به، وهو تحرك لا ينال من تلك المضامين شيئا.

والدعوة إلى العودة للأشياء البسيطة وإعادة صياغتها، وإعادة تدوير القيم والأخلاق وصناعتها، تلك التي كنا عليها، لا تعني دعوة للانفصال عن طبيعة العصر. ذلك أمر بات ليس من أولويات ما يراد تحقيقه ولا يخدم مسعى تثبيت حضورنا في المقام الأول؛ لكن طبيعة هذا العصر لا تحمي أرواحنا وقيمتنا من الاستنزاف اليومي، بتفكك مزيد من العلاقات والروابط وانهيار كثير من القيم وتلاشي عديد من الثوابت. ما يحمي أرواحنا ويحصنها، هو العودة إلى تلك البساطة التي تختزل احترام الإنسان، وتعلي شأنه وقيمته وتضعه على رأس أولوياتها واهتمامها وانتباهها، بعيداً عن غفلات بالجملة حطت على رؤوسنا، فصرنا في وادٍ، ومن ننتمي إليهم في وادٍ آخر؛ عدا انفصالنا – عبر الاكتفاء بالفرجة – عن العالم من حولنا، وما يضج به من حركة.

وكل بسيط اليوم تتوق إليه نفسك وروحك؛ لأنه يقدم نفسه إليك بعيداً عن التصنع والادعاء ومحاولة التجمل. يقدم نفسه إليك كما هو وكما قدر له أن يكون. ولن تتصالح نفسك وروحك مع النقيض من كل ذلك؛ بحكم أن لكل واحد منا جهاز استشعار، بغض النظر عن مدى قوة استشعاره، تقدماً أو تراجعاً؛ ولكنها كيمياء كل منا في حسه وقدرته على استشعار مواطن استغفاله أو استغلاله أو حتى التهكم على قيمته ومحاولات نفيه وتغييبه. تقدمت تلك الحاسة أو تأخرت؛ ولكنها تظل موجودة في كل واحد منا، تبعاً للموقف والزمان والمكان وموضوع الاستشعار نفسه.

وفي النهاية، كلما نزع الإنسان والعالم إلى البساطة في علاقاته وارتباطاته ومواثيقه وتعهداته، كلما خف صداعه وقلقه وتحفزه وانتظاره على وجل لانقضاض ومباغتة. كلما انحسرت قيم الغدر، وقيم الانتهاك وسوء الفهم والتقدير وسوء المعاملة عموماً.

وكلما ذهب إلى النقيض، كلما كان إنسان هذا العالم، والعالم نفسه، عرضة لمزيد من تشرذمه وقلقه وعقده وجنونه واستعداده اللانهائي لمحو الحياة بإنسانها وأشيائها، وعندها، لن تكون تلك الصناعة بساطة؛ ستكون صناعة جنون وعقد وأمراض.

إنها الأشياء البسيطة التي تعيد لنا التوازن مع أنفسنا أولاً، قبل أن تعيد لنا التوازن في التعامل مع العالم ومخلوقاته من حولنا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: