ابراهيم الصياد

ابراهيم الصياد يكتب… الشفافية والاستقلالية شرط نجاح تعلُّم الديمقراطية!

يبدأ مجلس النواب الجديد مشواره اعتبارا من اليوم فصله التشريعي وهنا لنا وقفة ناصحة ….
في زمن تتسارع فيه التحولات السياسية والتكنولوجية، لم تعد الديمقراطية تُقاس فقط بوجود مؤسسات منتخبة أو نصوص دستورية متقدمة، بل بمدى انفتاح هذه المؤسسات على المجتمع، وقدرتها على الخضوع للرقابة والمساءلة.
ومن هنا يبرز سؤال هل البث المباشر لجلسات البرلمان يعد أهم الأدوات الحديثة لتعزيز الشفافية وربط المواطن مباشرة بالعملية التشريعية؟
إن هذه الأداة، على أهميتها، تكشف في الوقت نفسه حدود الشفافية عندما لا تُرفق بضمانات حقيقية لاستقلال المؤسسات، كما تُظهر بوضوح حالة المجلس المنتخب
يعتبر بث جلسات البرلمان نقلة نوعية في العلاقة بين المواطن والسلطة التشريعية !
بعد أن كانت النقاشات محصورة داخل قبة البرلمان، ولا يصل منها للرأي العام إلا ملخصات انتقائية عبر الإعلام، أصبح المواطن قادراً على متابعة ما يجري لحظة بلحظة … من طرح القوانين، إلى النقاشات الحادة، وصولاً إلى التصويت واتخاذ القرار.
هذا التحول يُسهم :
🔸أولاً في تعزيز الشفافية والمحاسبة … لم يعد النائب يخاطب زملاءه فقط، بل جمهوراً واسعاً من الناخبين. وهكذا تصبح المواقف السياسية، ومستوى الإعداد، والقدرة على الدفاع عن مصالح الدائرة الانتخابية والمجتمع ككل ، جميعها عناصر مرئية قابلة للتقييم الجمعي .
🔸 ثانيا يحدّ البث المباشر من انتشار المعلومات المضللة أو الاقتطاع المتعمد للتصريحات خارج سياقها، لأن المصدر الأصلي متاح للجميع ومن ثم يقطع الطريق على مروجي الشائعات والكتائب الاليكترونية المعادية والرافضة لاستقرار الدولة المصرية !
🔸ثالثا يساهم البث في رفع مستوى الوعي والمشاركة السياسية وهو أمر مهم للغاية حيث إن متابعة الجلسات تساعد المواطنين على فهم آليات التشريع، وتعقيدات العمل البرلماني، وتكشف الفارق بين الخطاب الانتخابي والممارسة الفعلية.
🔸 رابعا ومع الوقت، يتحول البرلمان من مؤسسة بعيدة وغامضة إلى فضاء مألوف، ما يعزز الإحساس بالمواطنة ويشجع على المشاركة في الشأن العام ويحدث التفاعل بين النواب ومن يمثلونهم !
🔸 خامسا يُمثل البث البرلماني أرشيفاً توثيقياً بالغ الأهمية لأن كل مداخلة وكل تصويت يصبح جزءاً من سجل عام يمكن للصحفيين والباحثين والأكاديميين الرجوع إليه، ما يرسخ ثقافة المساءلة طويلة الأمد، ويمنع التلاعب بالروايات السياسية بعد انتهاء الدورة البرلمانية.
غير أن البث الإعلامي لفعاليات البرلمان لا يحقق أهدافه تلقائياً، بل يتطلب سياسات واضحة لضمان فعاليته. من أهم هذه السياسات إتاحة الوصول للجميع عبر قنوات متعددة، تشمل التلفزيون، والإذاعة، والمنصات الرقمية، مع مراعاة ذوي الإعاقة وتوفير الترجمة بلغة الإشارة
كما تبرز أهمية الحفاظ على التوازن والحياد، عبر لوائح تنظيمية تمنع تحويل الجلسات إلى استعراض شعبوي أو مادة دعائية، دون المساس بحرية التعبير داخل البرلمان.
إن التغطية العادلة لجميع التيارات السياسية شرط أساسي حتى لا يتحول البث المباشر إلى أداة لتكريس الهيمنة بدل تعزيز التعددية.
والخطوة الأكثر تقدماً تتمثل في ربط (البث بالتفاعل ) من خلال منصات تتيح للمواطنين إرسال أسئلة أو تعليقات أو تقييمات، تُنقل بشكل منظم إلى النواب أو اللجان المختصة و هنا ينتقل المواطن من موقع المتلقي السلبي إلى شريك في النقاش المجتمعي ، وهو ما يعمق الممارسة الديمقراطية.
إن الشفافية تكشف الخلل لكنها لا تعالجه بالضرورة فالبث المباشر يسمح للمواطنين بمتابعة النقاش، لكنه لم يكن كافياً لضمان احترام مبدأ الاستقلالية المؤسسية وهنا تتجلى أهمية دور المعارضة البرلمانية، والمجتمع المدني، والنقابات المستقلة، باعتبارها صمامات أمان تحمي المكتسبات الديمقراطية من التآكل.
ودعونا نلقي نظرة على بعض تجارب البث الإعلامي لجلسات البرلمان في بعض التجارب في العالم العربي :
🔸في تونس، لعب بث جلسات مجلس نواب الشعب بعد 2011 دوراً مهماً في كشف طبيعة النقاشات، وأسهم في رفع سقف الحرية السياسية، لكنه في الوقت نفسه أظهر هشاشة التوافقات وكثرة الصراعات الحزبية، ما أثر أحياناً على ثقة الجمهور.
🔸 في الأردن، ساعد البث البرلماني على تحسين صورة المجلس نسبياً، عبر إظهار الجهود الرقابية! والتشريعية، وإن ظل التأثير محدوداً في ظل ضعف المشاركة الشعبية الواسعة!
🔸وفي مصر، كانت هناك تجربة استمرت عدة سنوات تمثلت في قناة صوت الشعب التي نجحت في كشف وتقييم الأداء البرلماني لكن تم إلغاؤها بقرار من البرلمان وفي رأيي غير مدروس وكان يمكن تطويرها أو إضافة مهام لها وربطها بالفعاليات اليومية للبرلمان بغرفتيه لكن ما قيل عن مبررات الإلغاء لم يكن مقنعا وعكس خشية من الشفافية والوضوح !
وقلنا إن الجلسات التي تمس القضايا المتعلقة بالأمن القومي والقوات المسلحة لا تبث على الهواء ويكون التركيز على القضايا التي تتصل بحياة الناس ولهذا نقترح انشاء منصة رقمية لنشر الفعاليات البرلمان ودعمه بآلية تفاعلية تساير التطورات الحديثة في الاتصال كي يتفاعل المواطن ويبدي رأيه في برلمان بلاده !
عموما هذه التجارب تؤكد أن البث البرلماني أداة، لا غاية. فهو يعزز نوعية النقاش السياسي حين يقترن بتعددية حقيقية، ومعارضة فعالة، ومؤسسات مستقلة.
أما في غياب هذه الشروط، فيبقى البث مجرد نافذة تُظهر المشهد دون أن تغيّر قواعده لهذا يحتاج إدارة مهنية محترفة وعالية الكفاءة السياسية والفنية !
إن بث جلسات البرلمان يمثل خطوة أساسية نحو ديمقراطية أكثر انفتاحاً ومساءلة، ويمنح المواطن حقه في المعرفة والمراقبة.
إن الديمقراطية ليست مجرد ما نراه على الشاشات، بل ما يُترجم فعلياً في حماية الحريات، واستقلال المؤسسات، وقدرة المجتمع على الدفاع عن مكتسباته السياسية وانتهز الفرصة من أجل طلب فتح حوار مجتمعي حول بث الجلسات من عدمه ؟ وأيها افيد أن يعمل البرلمان في برج عاجي أم يؤدي دوره امام المواطن ام يجمع بين هذا وذاك من استقلالية وشفافية ؟ وهو ما أراه أكثر موضوعية و عملية لتحقيق توازن الأمرين !

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *