أخبار عاجلة

د.جودة عبد الخالق يكتب… لقطات: ودمعٌ لا يُكَفكَف يا دِمشْقٌ !

انتهى العدوان الثلاثى الغادر على دمشق. ولا أجد أفضل للتعبير عن مشاعرى بهذه المناسبة الحزينة من كلمات أمير الشعراء أحمد شوقى فى قصيدة “نكبة دمشق”، التى نظمها منذ نحو ثمانين عاما. فأنا كإنسان أشعر بالعجز و الخجل لأننى لا أستطيع التعبير عن غضبى حتى ولو بالوقوف صامتا فى مكان عام إعلانا لشجبى لهذا العدوان الآثم على سوريا الشقيقة. وأنا كعربى أشعر بعجز وخجل مضاعف لنفس السبب. و أنا كمصرى أشعر بعجز وخجل مضاعف أضعافا مضاعفة. بل إننى كمصرى أشعر بقلق أشد؛ فالتاريخ يعلمنا أنه إذا سقطت سوريا سقطت مصر. وتاريخنا يقول إنه للدفاع عن مصر وسوريا، خرج السلطان الغورى لمواجهة الجيش العثمانى بقيادة سليم الأول فى مرج دابق قرب حلب شمال سوريا.
بدلا من أن يصحو الناس فى دمشق على آذان الفجر، فزعوا مذعورين على أصوات الصواريخ و القنابل تدك الأرض دكا. ويبدو أن وراء إطلاق ترامب آلته العسكرية على سوريا عدة دوافع. الدافع الأول هو إثبات للداخل الأمريكى أنه رئيس قوى وأنه يهب للدفاع عن حقوق الإنسان. الدافع الثانى هو الحد من النفوذ الروسى المتنامى فى سوريا والذى مكن روسيا من تحقيق هدف إسترتاتيجى هو الوصول إلى المياه الدافئة فى البحر المتوسط. والدافع الثالث هو محاولة إعطاء قبلة الحياة للتنظيمات الإرهابية الموالية للولايات المتحدة فى سوريا. وربما كان الدافع الأخير هو أهم تلك الدوافع، بالنظر إلى سعى أمريكا إلى تفكيك الدول الوطنية فى المنطقة وإعادة تركيبها طبقا للتصور الذى وضعه المستشرق الصهيونى برنارد لويس. ومعلوم أن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاحون) قد تبنت رسميا إستراتيجية برنارد لويس منذ الثمانينيات من القرن الماضى.
المدهش أن الهجوم على سوريا وقع والجامعة العربية تجتمع وتنفض، ومقعد الجمهورية “العربية السورية” فى اجتماع القمة شاغر. كأن شيئا لم يكن! تقرأ البيان الختامى و تبحث فوق السطور و تحت السطور و بين السطور عن شئ محدد يشير إلى العدوان الثلاثى، فلا تجد شيئا محددا. لم يستطع القادة العرب الإشارة إلى الولايات المتحدة، ولو من طرف خفى! إلى هذا الحد صار العرب على أعلى مستوى عاجزين عن الفعل. لقد كشف القصف الأمريكى البريطانى الفرنسى لسوريا مدى الهوان العربى. والهوان العربى نتاج الضعف العربى. والضعف العربى نتاج الإنقسام والتشرذم والدكتاتورية فى الوطن العربى. ومن هنا أصبح العرب الآن كالأيتام على موائد اللئام فى كل مكان فى العالم: فى الشرق، وفى الغرب، وفى الجنوب، وفى الشمال.
من السابق لآوانه عمل كشف حساب دقيق للمكاسب والخسائر من العدوان الثلا ثى الأمريكى البريطانى الفرنسى على سوريا الشقيقة. ولكن يمكن القول إن هذا العدوان الغاشم قد عزز مركز الرئيس بشار الأسد ونظامه فى مواجهة قوى الداخل أو الخارج التى تسعى لتفكيك سوريا. كما أن العدوان قد أكد مجددا أيضا أنه ليس هناك شئ اسمه القانون الدولى. فالساحة الدولية حالة أشبه بالغابة: الكبير فيها يأكل الصغير، والقوى يفترس الضعيف. كما أن العدوان الغربى قد كشف بكل وضوح عجز الأنظمة العربية عن أن تتخذ موقفا من الولايات المتحدة، حتى ولو فى شكل جملة فى بيان لقمة عربية ناقشت العدوان الأمريكى على سوريا. وربما كان من الضرورى أن تسمى القمة “قمة القدس” لتأكيد وضع المدينة، فى وقت نرى الولايات المتحدة قدأعلنت اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارتها إليها. جميل أن نطلق على القمة “قمة القدس”، ولكن نحتاج إلى إجراءات عملية للحفاظ على عروبة زهرة المدائن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: