د. مجدي العفيفي

د.مجدي العفيفي يكتب.. تغريدة مصرية في قلب العالم ( 1-2)

(1)
ليس فقط ، لأنها تدثر نفسها وحسها وحدسها باسم النهر الخالد في سياق المنظومة النيلية الإعلامية، التي تنساب كصفحة النيل الجميل منذ العام 1994.
وليس فقط ،لأنها الصوت الفضائي الواحد والوحيد الذي يغرد في سمع العالم، ويبرق في بصره، ويتحاور مع فكره، ويجادل وجدانه، بما تبثه من «رؤية» وما تسعى إليه بـ «رؤيا» تنفذ إلى قلب الدنيا – التي مصر أمها فعلا – بهدوء النيل وغليانه في تعادلية يعز تحققها إلا قليلا في فضاء المنطقة..
وليس فقط لأنني صحفي مصري وكاتب ذو فكر قومي ، عاش خارج مصر حوالي ثلاثين عاما وهو شاهد وشهيد معا على هذه المظومة التليفزيونية الدولية..!
بل أيضا.. لأنها تحافظ على توهج المصباح المصري الفضائي واستمراريته وإيقاده من شجرة مصر التاريخ والحضارة والفكر والثقافة والعلم والدين والسياسة والفن والإبداع والكتابة، والجمال والجلال و التنوير والمنارة..
هذه المنظومة تستدعي تقنيات بشرية ذات إرادة إنسانية وإدارة سياسية معا، وأدوات فنية عالية، وتستثمر مفردات الصوت الإعلامي وغواية الصورة الفضائية.
عن قناة النيل الدولية الفضائية أتحدث.. وهي التي تحدث العالم باللغتين الانجليزية الفرنسية..
(2)
في عقد التسعينيات أواخر القرن الماضي، وعقد الألفية الأولى من القرن الراهن، كم كنا – في الخارج – نتعذب من فقر الأخبار، والشقاء في مواكبة التحولات، والجهد المضاعف في متابعة الأحداث، ليس في مصر وحدها بل في كل دول المنطقة، وهذان العقدان كانا أكثر الفترات العربية والدولية توترا عسكريا وسياسيا واجتماعيا وإعلاميا واقتصاديا، بسبب الأحداث الدامية الدرامية في تداعيات محاولة نزغة العراق لإلتهام دولة الكويت، ثم همجية الكيان الصهيوني في فلسطين العزيزة، وتداعيات الحرب العراقية الإيرانية التي لا تزال لغزا، ثم احتلال امريكا للعراق، ثم مهرجان 11 سبتمبر الأمريكي، وانعكاساته البغيضة على العالم أجمع.
في كل ذلك وأكثر من ذلك ، كان لقناة النيل الدولية وجودها وحضورها، بسم مصرنا العظيمة، ومصر لم يحدث أن دخلت طرفا في مشكلة عربية إنما هي تحل الأزمات باعتبارها الأخت الشقيقة لكل العرب، وتمتلك الإمكانيات بكل أطيافها، فهذا قدرها وقدرتها. من أجل ذلك هي لا تدخل طرفا ولا تنحاز لطرف ضد آخر في أية إشكالية، ولا يجوز لها، ولا ينبغي.لأنها مصر.. حقا وقولا وفعلا ويقينا.
(3)
أقول قولي هذا، وأنا أمارس الإستعادة والاسترجاع، والتذكر والتفكر وإعادة قراءة أوراق وأحداث وثغرات تحتاج أن تملأ وتسد..
لكن لماذا أتحدث الآن عن هذه الوسيلة المصرية الدولية ؟.
الذي حدث ان إلتباسا جعل الأمر يختلط علىَّ ، حين لبيت دعوة حوارية من الفضائية المصرية، قل يومين، وقيل لي ان اللقاء سيكون في استديو (رقم3 ) وظننت انه الطابق (رقم 3) فإذا بي أجد نفسي أمام لافتة مكتوب عليها ( قناة النيل الدولية) ..
هي إذن..! مفارقة جميلة مثيرة للدهشة.. فعلا«رب صدفة خير من ألف ميعاد».
هي إذن.. القناة الصديقة التي صاحبتني ورافقتني كصحفي في منطقة الخليج تنقل عرفيا ومعرفيا واخلاقيا وجماليلا ، ببن أكثر من عاصمة متحركة، متابعة لتحولات المنطقة الملتهبة ومواكبة للأحداث المتسارعة. انطلاقا من قاعدتي الأساسية مسقط العاصمة العمانية التي لا تزال تجادل الزمن .
(4)
كانت الانبثاقة الأولى لقنانتا النيلية الدولية في العام 1994 في عنفوات التوتر العربي والإقليمي والعالمي، كنا نتابع وننهل ونراقب ونتواصل ونثق – وما أندر الثقة – آنذاك فيما كان ينقل ويذاع ويعرض ، لا سيما اذا تذكرنا أن القناة الوحيدة في كوكب الأرض التي كانت تصيغ وتشكل رؤية سكان الكوكب، كانت قناة الـ CNN الأمريكية , وكانت المصدر الأول والأخير لما كان يجري في احداث العراق والكويت، هو الجنرال «شوارزكوف» الذي كان قائد ما سمي بقوات التحالف الدولي ضد قوات الاحتلال العراقي في دولة الكويت خلال حرب الخليج الثانية عام 1991م التي عرفت بعاصفة الصحراء.
بعد ذلك.. كسر الفضاء المصري الإعلامي هذا الاحتكار الأمريكي لتغطية أحداث، خاصة بعد أحداث مهرجان سبتمبر 2001وبعده الغزو الأمريكي لافغانستان، ثم العرق 2003 وانتهي الصوت الأمريكي الأحادي الى الأبد ، وتحالفت الفضائيات العربية بعد أن تشجعت بإلإقدام المصرى، وتصدرت .. !.
لكن قناة النيل الدولية تألقت .. ثبتت صوت مصر العالمي بتمايزها وتميزها .. وطبعت حضورها هنا وهناك.. وصارت مرجعية بل مصدرية لكبريات الأحداث.. هذا على المستوى السياسي باعتبار ان السياسة صارت هي الأخرى، مثل الماء والهوا، نظرا لدموية ودرامية الاحوادث في العالم، وإن تراجعت وتقهقرت في الآونة الأخيرة وهزمتها الثقافة بالمعنى الكوني للثقافة، حتى آن الونسكو أكدت ان الناس في العالم صارت ( تمل ) من السياسة و( تميل) إلى الثقافة، لكن أكثر الساسة لا يعلمون.
(5)
حين عدت الى مصر الحبيبة2010، واستقرت القلم والألم والأمل وعاودت الإلتحام المباشر والقوي والمتجدد بالمنظومة الصحفية المصرية ، وعلى جبيني تاج أخبار اليوم ، كان من الطبيعي نظرا للألفة والحميمية مع «النيل الدولية»أن أتابع، فإذا الدنيا فيها صارت أكثر اتساعا، وإذا الرؤية أكثر موضوعية، وإذا الرؤيا أكثر استشرفا، وإذا التعددية عنوانا كبيرا والعنوان دائما يفكر للنص، كما نقول في دراساتنا الإعلامية والنقدية.
ما الذي حدث؟ لاسيما في السنوات القليلة الماضية وهي تتهيأ لدخول عقدها الرابع؟.
بين الحين والحين كنت أراها، ربما بحكم ( المعمعة) التي تستنزفنا في شارع الصحافة، وبحكم الإحباذط الذي يجعلنا في أوار الحياة اليومية كائنات مستهلكة خاصة تحت سنابك الشئون الداخلية العربية، والإجاع المحلية لكل قطر عربي، والشعور القومي الذي بهت، وثرثرة العالم بما يسمى السياسة، والساسة في عالم اليوم … حدث ولا حرج. والأفضل أن لا تتحدث..!!.
(6)
وأفيق من اللحظة الراهنة التي استغرقتني وامتدت سنوات وسنوات من العذاب والعذوبة.. لأجد نفسي أمام مكتب قالوا لي انه مكتب رئيس قناة النيل الدولية «تغريد حسين».
إذن هي المايسترو ..!. أليس كذلك.. ؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *