د.مجدي العفيفي يكتب... ابكوا كالنساء على مُلك لم تحافظوا عليه كالرجال..!

18/05/2018 - 3:04:01

د.مجدي العفيفي د.مجدي العفيفي

بقلم... د.مجدي العفيفي



يتناص عنوان هذه المقالة مع الكلمة الدامية والعبارة الدرامية التي بعثرتها الأميرة عائشة الحرة في وجه ابنها أبوعبدالله محمد الصغير، آخر ملوك الأندلس، حين خرج من القصر الملكي، ووقف مع بعض فرسانه بسفح جبل الريحان، ومر موكب الملكين الكاثوليكيين (فيرناندو وإسابيل) فتقدم وسلم مفاتيح مدينة غرناطة عام 1491م، بعد سقوطها، ثم لوى عنان جواده موليًا، ووقف من بعيد يودع ملكًا ذهب، ومجدًا ضاع، وكان هو بأعماله وسوء رأيه سببا في التعجيل بضياعه، وسار بعيدًا في اتجاه المغرب، ثم صعد على ربوةٍ عالية تطل على قصور الحمراء، يتطلع إلى المجد الضائع، فلم يستطع أن يتمالك نفسه.. فبكى حتى بللت دموعه لحيته.. فقالت له أمه عائشة الحرة: «نعم، ابكِ كالنساءِ ملكًا لم تدافع عنه كالرجال»..!!




هذا الاستدعاء تحتمه اللحظة الراهنة بكل مرارتها الشرق أوسطية.. وبكل ذلها العربي والقومي.. وبكل انكسارها الإسلامي والمسيحي.. وبكل عنفوانها الأوحد والوحيد.. الذي يتجلى بها الشعب الفلسطيني...!! برغم أنف القرار الغبي والأحمق لـ (ترامب ربيب الماسونية وخادم الصهيونية العالمية)..!




ااااااالآن.. نبكي على القدس..! وقد سرقها الصهاينة معرفيًا وثقافيًا قبل أن يسرقوها سياسيًا ويحتلوها عسكريًا.. برغم كل القرارات والمؤتمرات والدراسات والبحوث والنداءات والشجب والاستنكار والإدانة.. إلى آخر مفردات هذه العائلة العربية البغيضة والممسوخة..! التي لم يكن لها أي وجود أو أثر أو أي شيء يساوي حتى جناح بعوضة...!




نعم الصهاينة سرقوا القدس بالثقافة قبل أن يسرقوها بالسياسة ويحتلوها بالآلة العسكرية.. سخروا كل الأدوات المعرفية.. ورسخوا لفكرة القدس يهودية في وجدان العالم واخترقوا مراكزه البحثية، برغم الحقيقة التاريخية بشواهدها الدالة، وبرغم الحقيقة الفنية بمشاهدها الماثلة.. مارسوا الغواية الصهيونية، هناك أكثر من 40 مليارديرًا يهوديًّا حول العالم يتبرعون لتهويد القدس، أحدهم تبرع حتى الآن، بأكثر من 170 مليون دولار، لأن ما يجري هو الخلاص.




الاستهداف لم يبدأ قبل ستين عامًا، بل بدأ بشكلٍ منهجي سنة 1838 على يد بالمرستون رئيس الوزراء البريطاني المتصهين آنذاك، الذي قدّمت له للأسف تسهيلات عربية منها قتل نصف رجال القدس سنة 1838، وأطلق يد مونتفوري المبعوث البريطاني لكي يعمل على إسكان اليهود في القدس.




سرقوا كل الرموز الفلسطينية من أزياء وطنية وتغيير أسماء القرى والمدن الأصيلة والأصلية.. سرقوا مأكولاته الشعبية.. بل سرقوا الكثير والنفيس من الركوز العربية.. حتى حكايات جحها وشخصيته نسبوها إلى التراث اليهودي، بل صنعوا لأنفسهم ما يسمونه «الفولكلور الإسرائيلي»، وأي باحث يسمع مصطلح الفولكلور الإسرائيلي، يضحك ساخرا، وهنا دراسات صهيونية شتى بكل اللغات الحية قاموا بها ليوهموا العالم بأن اللغة العربية أصلها عبري! بل إن رقصة الدبكة هي رقصة إسرائيلية؛ تعبر عن الصمود في الأرض الصهوينية المقدسة! وحتى أكلة الفول والطعمية المصرية أصلها إسرائيلي.. والأمثلة أكثر من أن تحصى!




هذا التشبث الصهيوني بالقدس له دلالاته فلا معنى لـ (إسرائيل) بدون (أورشليم)، ولا معنى لـ(أورشليم) بدون الهيكل، أي أن غاية الغايات هي بناء الهيكل، والدولة وسيلة لبنائه، وهذا الكيان ما هو إلا وسيلة لغاية، والغاية هي بناء هيكل، هيكل الرب يهوه الذي من أجله تحطّم الدول وتسجد الشعوب، يريدون أنْ يحوّلوا القدس إلى مركز كوني ربوي عالمي، يمارسون فيه السيادة، سيادة اليهود على المكان وبالتالي كما يقول (الاستئثار بميزة التحدث إلى الإله والحوار مع الإله) والإله هنا هو يهوه، الذي اخترعوه هم، طبقًا لسعود أبومحفوظ نائب رئيس الائتلاف العالمي لنصرة القدس وفلسطين، عضو مجلس إدارة مؤسسة القدس الدولية.




لذا يعد المسجد الأقصى هو المضاد الحيوي لوجود الاحتلال في بيت المقدس باعتباره شهادة ولادة الإسلام في المنطقة، هم يسعون لاستئصاله وإيجاد تكوين أثري زائف مكان الأقصى لينتحلوا ملكيته، ويريدون أن يحتلوا ماضينا بالكامل؛ برغم أنه قائم على روايات موثوقة ووثائق محفوظة وآثار مرئية.. القدس كانت على الدوام منصة، من استولى عليها أصغت له الدنيا؛ بالتالي هذا الكيلومتر مربع الذي يشكّل القدس هو أخطر كيلومتر على وجه الأرض.




تشبثوا بكل حجر في القدس.. ووضعوا له الدراسات والبحوث التي تدعو إلى التأصيل الفكري للمهام الإجرامية الصهيونية.. خططوا في حنكة.. ونفذوا في صمت.. لم يملوا.. استثمروا دهاءهم.. وغوايتهم.. وألاعيبهم.. ومكرهم.. وعداوة العرب لهم.. وحولوها لصالحم بالذلة والمسكنة.. من أجل ذلك - وهذه هي الشفرة الخاصة - استغلوا الثقافة عامة والآداب والفنون خاصة لخدمة أغراضهم ومآربهم السياسية.. باعتبار أن الآداب والفنون عناوين متحضرة للشعوب.. أو يفترض ذلك.




كيف استغل الصهاينة الآداب والفنون استغلالًا سياسيًا وعسكريًا؟! هذا أمر سنتطرق إليه في مقال مقبل.. إن شاء الله.