أكرم كمال سريوي يكتب... شيخُ المعصرة و «عُرسُ الجرس»

11/07/2020 - 10:43:41

المفكر اللبناني - اكرم كمال سريوي المفكر اللبناني - اكرم كمال سريوي

بقلم... المفكر اللبناني - اكرم كمال سريوي


 أينما سرتَ على دروبِ القرية كانت تُطالعُك دوالي العنب ، وقلّما يخلو منها حقلٌ أو مكان . فحتى وإن لم يكن الحقل مخصصاً  للكرمة ، وتم غرسُه بأشجارٍ أُخرى ، ستجِدُ حتماً  في إحدى زواياه عريشةً  تسلّقت شجرةَ بطمٍ أو لوزةً او جذعاً يابساً ،  وكأنها تبحث عن قطرات الندى القادم من السماء ،  مع أمواج الضباب الزاحف في الصباح الباكر  ، عبر حنايا الأودية والوهاد المحيطة  .
وما أن يطرقَ آبُ الأبوابَ  ، حتى تتدفقُ الخيراتُ ،  وتضجُّ الكرومُ بأصواتِ الزائرين .  ولو دخلتها مع الفجرِ  ، ستجدُ العصافيرَ فَرِحةً جَذْلَى ، تُزاحِمُك على تينةٍ هُنا أو داليةٍ هُناك . وما تكادُ  الشمسُ تُرسلُ خُيوطَها  ، وتُعانق ألوانُها حبيباتِ العنب ، حتى تتلألؤا أنواروها على الأغصان ، وترسم لوحةً طبيعيةً ، تُذكِّرَك بعذوبة فيروز وهي تغنّي قصائد جبران «والعناقيدُ تدلّت كثُرياتِ الذهب»  .
«الصيف ضيف» عبارةٌ لطالما رددها أهلُ القرى ،  للتعبير عن شعورهم بانقضائهِ السريع  ، وهو تعبيرٌ يحملُ في طياتهِ حسرةً على جمالِ هذا الفصلِ الوافرِ الخيرات .  وما أن يحِلَّ عيدُ الصليب في أيلول ، حتى يضرِب المزارعون موعداً مع قِطاف العنب ، ونقلهِ الى المعصرة لصناعة الدبس .
هناك على سفح التلة قبالة قريتنا ، وقفت سنديانةٌ منذُ مئات السنين ، تُحاكي التاريخَ وتُصاحِبُه ، حتى أصبح قطرُ جذعِها يزيدُ على ثلاثةَ أمتار . واستفاد بعضُ المزارعين  من فيئها الوافي ، وبنوا  معصرةً حجرية ، ما زال لنا جزءٌ من مُلكيتها  .
تضمُّ المعصرةُ أحواضاً لتكديس العنب وعصرِه ،  وأجراناً  حُفِرت في الصخر لجمعِ العصير ،  وخلطِه مع قليلٍ من التُرابِ الأبيض ،  كي يترسّب طعمُه الحامض ، ثم يُصفّى ويُنقل الى الخلقين  . وهناك يبدأُ رحلته مع النار ليل نهار حتى يَنضُجَ ويُصبحَ دبساً لذيذَ المذاق .
لا يُمكِنُ طبعاً لشخصٍ  واحد ، أن يقومَ بهذا العملِ الشاق منفرداً . فهنا التعاونُ إلزاميٌ ، لا بديلَ عنه ، فإذا أردت أن تعصُرَ العِنب ، وجبَ عليك الجهد المشترك  مع الآخرين ، فوحده التعاون يُؤتيك دبساً ، وهذا هو قانون المعصرة لا يمكنك خرقه، بل يُفيدُك ويُعطيك درساً للحياة .
وأمّا العمل الأصعب فهو «عرسُ الجرس» ، فبعد دهس العنب ،  يتم جمعه كومةً واحدة ، وتُوسدُ عليه بِلاطةً كبيرة ، وفوقها تُوضعُ خشبةً طويلة،  يُثبُتُ عقَبُها في كوّةٍ داخل جدار الحوض ، وفي رأسِها الآخر يُعلّق الجرسُ ، الذي يزن قرابة خمسين رطلاً (١٢٥كلغ) ، فيُشكّلُ ما يُشبه المكبس ، يضغط على العنبِ لاستخرجِ  آخِرَ نُقطةٍ منه .
الجرسُ عِبارة عن صخرة دائرية الشكل ، مثقوبة في الوسط ، بما يكفي لدخول جذع الخشبة ، التي بعد وضعها فوق كومة العنب ، يكون ارتفاعُها حوالي متر ونصف عن الأرض تقريباً .  ويحتاجُ رفع الجرس وتعليقه على الخشبة قوة كبيرة ، جعلتهُ مسرحاً يتبارى فيه قبضاياتُ القرية ، فمن يستطيعْ رفعَه وتعليقَه منفرداً ، ينالُ شهادة التقدير ، ويدخل اسمه في سجلِّ الأبطال .
ليس قليلاً عددُ أولئك الشجعان الذين فعلوا ذلك ، لكن ابا سعيد كان أشهرهُم ، فهو يفوق طولهُ المترين ، وكل ملامِحه فيها ما يكفي من الضخامة ، التي أكسبتهُ القوة والمهابة ، وتكاد عند مصافحتهِ تشعرُ أنك تضعُ يدك في المذراة على البيدر ،  وستلاحظُ حتماً الفارقَ الكبير في الحجم ،  وقد تلجأُ إلى الصلاة حتى لا يضغطَ على يدك وهو يُسلِّمُ عليك بحرارة  .
قصدتُ المعصرة يوماً مع بعض اولادِ القرية ، وكان هُناك جمعٌ غفيرٌ ،  وقد بدأت مباراةُ رفعِ الجرس . وهذه المرة يشاركُ ابطالٌ من القرى المجاورة . فجرسُ المعصرة هذا ، فاقت شُهرته حدودَ القرية  لتصِل الى أقاصي وادي التيم . وتم رفعه عدة مرات ، من قِبل رجال أشداء ، لا يلين لهم عزم ، صقلت الحقولُ والأعمالُ الشاقةُ  سواعِدَهم ، حتى باتت صلبة كجذوع الأشجار  .
طالب الجميعُ ابا سعيد بإظهار قُدراته ، وغمز البعضُ من باب التحدي ، فالأمر أصبح بين القرى . وزاد الهرجُ والمرجُ ، وارتفعت أصواتُ النخوة ، فتقدّم ابو سعيد وحمل نديم على ضهره ، ووضع يديه الكبيرتين على الجرس ، فرفعَه وعلّقهُ في مكانه  . وصاح الجميعُ «حماك الله يا ابا سعيد» .
استل سليم مزماره من مئزره فرحاً  وبدأ العزف ، وعقد الشبابُ حلقة الدبكة ، وتحوّلت المعصرةُ الى عُرس فرحٍ وبطولة ، ومكان يتعاونُ فيه الجميع  لإنجازِ العملِ المطلوب . تراهم  يتعانقون ، يتآخون ، يتبادلون المهمات ، يضحكون ويملؤن جِرار الدبس ، من خيرات تكاد لا تنتهي . وشيخُ المعصرةَ  «ابو سعيد»  حاضرٌ دائماً ،  لا يُرفعُ الجرسُ بدونه ، ولا يكتمِلُ العُرسُ إِلَّا على يديه .
أيامٌ تِلك انقضت وعلِقت بذاكرتي ، كأنها طيفٌ ، اشتاق إليه مراراً وتكراراً ،  يُعيدني إلى طفولتي ،  إلى قريتي ،  إلى أهلي وأحبتي ، إلى تلك الدروبِ الملونة باسرار عتيقة ، كتبها أُناسٌ طيّبون ، مرّوا من هنا ، وزرعوها حُباً وتآخياً وطمأنينة ،  لعلها تُنبت سعادة لأحفادهم من بعدهم ، بعد سنوات وسنوات في رحلة الحياة الشاقة  هذه  .